إرث الحروب يطارد الطفولة.. ذخائر قاتلة تحصد أرواح الأطفال في أفغانستان
إرث الحروب يطارد الطفولة.. ذخائر قاتلة تحصد أرواح الأطفال في أفغانستان
تتواصل في أفغانستان معاناة المدنيين مع خطر خفي يحصد الأرواح بصمت، حيث كشفت السلطات الأفغانية عن أرقام صادمة تؤكد أن الأطفال كانوا الأكثر تضررا من الذخائر غير المنفجرة خلال العام الماضي، في مشهد يعكس الثمن الإنساني الباهظ لعقود طويلة من الصراعات المسلحة، وتحولت هذه الذخائر، المنتشرة في القرى والحقول ومحيط المنازل، إلى تهديد يومي لحياة السكان، وخصوصا الأطفال الذين غالبا ما يقعون ضحايا لفضولهم أو لجهلهم بخطورة ما يلامسونه.
وبحسب ما أعلنته السلطات الأفغانية ونقلته وكالة الأنباء الألمانية الأربعاء، فإن الأطفال شكلوا ما يقارب ثلثي ضحايا حوادث الذخيرة غير المنفجرة في البلاد خلال العام الماضي، في مؤشر خطير على استمرار الأزمة الإنسانية المرتبطة بمخلفات الحروب، وأكدت الأرقام الرسمية أن هذه الحوادث لم تعد استثناء، بل باتت جزءا من واقع يومي تعيشه آلاف العائلات في مختلف الولايات الأفغانية.
أرقام تكشف حجم المأساة
قال محمد يوسف حمد، المتحدث باسم هيئة إدارة الكوارث الوطنية، إن أفغانستان شهدت 193 حادث انفجار ناتج عن ذخائر متبقية من الحروب، أسفرت عن مقتل 87 شخصا وإصابة 333 آخرين في أنحاء البلاد، وأوضح أن نسبة الأطفال من بين الضحايا بلغت 67.5 في المئة، وهو رقم يعكس هشاشة أوضاع الطفولة في بيئة ما تزال ملوثة بمخلفات النزاعات المسلحة.
وأشار حمد إلى أن هذه الحوادث وقعت في مناطق متفرقة، شملت قرى زراعية وأطراف مدن ومناطق كانت مسرحا لعمليات عسكرية سابقة، ما يؤكد أن الخطر لا يقتصر على مناطق بعينها، بل يمتد ليشمل رقعة جغرافية واسعة من البلاد.
الأطفال في دائرة الخطر
يشكل الأطفال الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالذخائر غير المنفجرة، إذ ينجذب كثيرون منهم إلى الأجسام المعدنية الغريبة التي يعثرون عليها أثناء اللعب أو الرعي أو جمع الحطب. وفي ظل الفقر وانعدام البدائل الترفيهية، يجد الأطفال أنفسهم في تماس مباشر مع هذه المخاطر، دون وعي كافٍ أو وسائل حماية.
ويرى عاملون في المجال الإنساني أن ارتفاع نسبة الضحايا من الأطفال يعكس فجوة كبيرة في التوعية، إضافة إلى صعوبة السيطرة على المساحات الشاسعة الملوثة بالذخائر، كما أن النزوح الداخلي، الذي أجبر ملايين الأفغان على الانتقال إلى مناطق جديدة، زاد من احتمالات تعرضهم لمخلفات حروب لم يشهدوها من قبل.
جهود التطهير والتوعية
في مواجهة هذا الخطر المستمر، تحدث المسؤول الأفغاني عن جهود تبذلها الجهات المعنية لتقليص مساحة الأراضي الملوثة، وأكد أنه تم خلال العام الماضي تطهير نحو 58 كيلومترا مربعا من الأراضي التي تحتوي على ألغام وذخائر غير منفجرة، إضافة إلى إبطال مفعول 24720 لغما وقطعة ذخيرة خطرة.
كما أشار إلى أن برامج التوعية بمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة وصلت إلى أكثر من مليوني شخص في مختلف أنحاء البلاد، في محاولة للحد من عدد الضحايا، خاصة بين الأطفال والنساء، ومع ذلك، يعترف المسؤولون بأن هذه الجهود ما تزال غير كافية مقارنة بحجم التلوث الواسع وانتشار الذخائر في مناطق يصعب الوصول إليها.
تحذيرات أممية متواصلة
من جانبها، حذّرت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان يوناما من خطورة الوضع، مؤكدة أن البلاد تسجل ثالث أعلى معدل إصابات ناجمة عن الذخائر المتفجرة في العالم، وأوضحت البعثة في بيان صدر يوم الثلاثاء أن الذخائر غير المنفجرة لا تزال منتشرة على نطاق واسع في مختلف الأقاليم، وتشكل تهديدا طويل الأمد لحياة المدنيين وسبل عيشهم.
وأكدت يوناما أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر لهذا الواقع، داعية إلى تعزيز برامج إزالة الألغام وزيادة الدعم الدولي، سواء على صعيد التمويل أو الخبرات الفنية، لضمان حماية المدنيين وتقليل الخسائر البشرية.
أثر إنساني يتجاوز الأرقام
لا تقتصر آثار الذخائر غير المنفجرة على أعداد القتلى والمصابين، بل تمتد لتشمل تداعيات نفسية واجتماعية عميقة، فالكثير من الأطفال الناجين يعانون من إعاقات دائمة، تحرمهم من التعليم والحياة الطبيعية، وتضع عبئا إضافيا على أسر فقيرة تعاني أصلا من شح الموارد.
كما أن الخوف من الألغام يقيّد حركة السكان، ويمنع استغلال الأراضي الزراعية، ما يؤثر سلبا على الأمن الغذائي وسبل العيش في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الزراعة، وفي مناطق عديدة، تحولت مساحات شاسعة إلى مناطق مهجورة، ليس بسبب الجفاف أو الفقر فقط، بل بسبب الخطر الكامن تحت الأرض.
تحديات التمويل والاستمرار
تواجه برامج إزالة الألغام في أفغانستان تحديات كبيرة، أبرزها نقص التمويل وتراجع الاهتمام الدولي في ظل أزمات عالمية متلاحقة، ويخشى خبراء من أن يؤدي هذا التراجع إلى إبطاء عمليات التطهير، ما يعني بقاء الذخائر في أماكنها لسنوات إضافية، واستمرار سقوط الضحايا.
معالجة هذا الملف تتطلب التزاما طويل الأمد، لا يقتصر على إزالة الذخائر فحسب، بل يشمل أيضا دعم الضحايا وإعادة تأهيل المصابين، وتوفير بدائل آمنة للأطفال، وتعزيز التعليم والتوعية في المجتمعات المحلية.
تعاني أفغانستان من تلوث واسع بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة نتيجة أكثر من 40 عاما من الحروب المتعاقبة، بدءا من الغزو السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، مرورا بالحرب الأهلية، ثم التدخل الدولي والصراع مع حركة طالبان، وقد زرعت أطراف متعددة ملايين الألغام والذخائر دون خرائط دقيقة، ما جعل عملية إزالتها معقدة وطويلة الأمد. ورغم أن أفغانستان تعد من أكثر دول العالم خبرة في مجال إزالة الألغام، فإن حجم التلوث واتساع رقعة البلاد، إلى جانب التحديات الأمنية والاقتصادية، يجعل من خطر الذخائر غير المنفجرة أزمة إنسانية مستمرة تهدد حياة أجيال كاملة، وتضع حماية الأطفال في صدارة الأولويات الإنسانية الملحة.











