"جنوب السودان" تنزف.. آلاف المدننين يفرون نحو المستنقعات هرباً من العنف
"جنوب السودان" تنزف.. آلاف المدننين يفرون نحو المستنقعات هرباً من العنف
في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب الدامية، تشهد دولة جنوب السودان تجددًا خطيرًا في القتال، أسفر خلال أسابيع قليلة عن نزوح أكثر من 180000 شخص، معظمهم من المدنيين العُزّل، ومع تصاعد المواجهات في ولاية جونقلي شمال العاصمة جوبا، باتت قرى بأكملها شبه خالية من سكانها، فيما يفر الآلاف نحو المستنقعات والأدغال بحثًا عن ملاذ أخير من العنف المتصاعد.
بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية الأحد عن شهود عيان ومسؤولين أمميين ومنظمات إنسانية عاملة في البلاد، فإن الاشتباكات الأخيرة تمثل أخطر تدهور أمني منذ سنوات، وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" هذا الأسبوع أن التقديرات الحكومية تشير إلى نزوح أكثر من 180000 شخص في 4 مقاطعات بولاية جونقلي وحدها، وسط أوضاع إنسانية تتدهور بسرعة مقلقة.
شهادات من قلب المأساة
دانيال دينغ البالغ 35 عامًا، واحد من آلاف المدنيين الذين شرّدهم القتال في مقاطعة دوك، يصف وضعًا يختلط فيه الخوف بالعجز قائلا إنه بات عالقًا بلا مأوى حقيقي، مؤكدًا أن المستنقعات أصبحت الملاذ الوحيد الممكن في حال تصاعد القتال، ويروي دينغ أن المعارك التي اندلعت الأسبوع الماضي كانت عنيفة، وأن المنطقة انتقلت من سيطرة قوات المعارضة إلى هجوم حكومي واسع أجبرهم على الانسحاب، مخلفًا عشرات القتلى.
معظم النازحين، بحسب شهود عيان، يعيشون اليوم تحت الأشجار وفي العراء، فالمنازل نُهبت أو أُحرقت، والمرافق الصحية دمرت أو خرجت عن الخدمة، والجوع ينتشر بسرعة بين العائلات التي فقدت مصادر رزقها القليلة أصلًا، في بلد يعاني أساسًا من هشاشة اقتصادية مزمنة، والأطفال والنساء هم الفئة الأكثر تضررًا، في ظل غياب شبه كامل للخدمات الأساسية.
انهيار فعلي لاتفاق السلام
التطورات الأخيرة جاءت بعد انهيار عملي لاتفاق تقاسم السلطة الموقع عام 2018 بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، ولكن ظل الاتفاق الذي أنهى حربًا أهلية استمرت 5 سنوات، هشًا منذ البداية، ولم تُنفذ بنوده الأساسية المتعلقة بدمج القوات وإجراء الانتخابات، وأسهم توقيف مشار في مارس الماضي ومحاكمته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في تعميق الشرخ السياسي وأعاد البلاد إلى مربع الصراع المفتوح.
رغم اشتباكات متفرقة خلال العام الماضي، فإن المواجهات الأطول والأعنف بدأت في أواخر ديسمبر 2025 في ولاية جونقلي، وأوضحت مصادر من منظمات غير حكومية في جوبا أن القتال انطلق من منطقة يري، قبل أن يتوسع سريعًا إلى مقاطعات أخرى، وردت الحكومة، بحسب هذه المصادر، بهجمات جوية وُصفت بالعشوائية، شملت استخدام براميل متفجرة، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين ونزوح جماعي.
قصف يطال المدنيين والمرافق الصحية
مصدران منفصلان من منظمات غير حكومية أكدا سقوط براميل متفجرة قرب مرافق صحية، ما تسبب بتعليق الخدمات الطبية في مناطق واسعة، وأشار أحدهما إلى صدور تهديدات مباشرة من الطرفين للسكان المحليين، ما أجبر كثيرين على الفرار نحو مدينة بور عاصمة الولاية، أو الاختباء في الأدغال والمستنقعات المحيطة.
وتشهد مدينة بور تدفقًا متواصلًا للنازحين ليلًا ونهارًا، وأكد بول دينغ بول، أحد مسؤولي المجتمع المدني المحلي، أكد أن أجزاء كبيرة من جونقلي صُنفت مناطق حمراء، ما يعني غياب الوصول الإنساني ووقف الرحلات الجوية، وأضاف أن الحشود العسكرية من الجانبين تشير إلى تصعيد وشيك، محذرًا من صعوبة تقدير عدد القتلى لأن كثيرًا من السكان ما زالوا مختبئين بعيدًا عن أعين سلطات جنوب السودان.
شلل إنساني وتحذيرات أممية
أوتشا حذّر في تقريره الأخير من أن نهب ومصادرة الأصول الإنسانية من الطرفين أدى إلى تعليق الخدمات الصحية الأساسية لآلاف الأشخاص، وهذا الشلل الإنساني يفاقم معاناة المدنيين، خاصة في ظل نقص الغذاء والدواء وغياب ممرات آمنة لإيصال المساعدات.
جنوب السودان، رغم امتلاكها احتياطات نفطية كبيرة، تعد من أفقر دول العالم بسبب الفساد المستشري وسوء الإدارة، ووفق أرقام برنامج الأغذية العالمي الصادرة في أبريل الماضي، يعاني نحو 7.7 مليون شخص من أصل 12 مليونًا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ومع تجدد القتال، يخشى خبراء من تحول الأزمة إلى مجاعة واسعة النطاق.
تحذير من موت الأطفال
منظمة أطباء بلا حدود دقت ناقوس الخطر، حيث قال مدير العمليات غول بادشاه من نيروبي إن فرق المنظمة تواجه صعوبات جسيمة في تموين مواقعها بجونقلي، ما أدى إلى نقص كارثي في الإمدادات، وحذر بشكل صريح من أن غياب الإمدادات يعني أن أطفالًا سيموتون، مؤكدًا أن الوضع الإنساني بلغ مرحلة حرجة.
التقارير لا تقتصر على جونقلي وحدها، إذ أشارت مصادر محلية إلى اشتباكات في ولايتي أعالي النيل والاستوائية الوسطى خلال الأشهر الأخيرة، وهذا التوسع الجغرافي للعنف يعزز المخاوف من عودة البلاد إلى حرب أهلية شاملة، في ظل غياب أفق سياسي واضح.
دعوات للتغيير وتحذير دولي
في العاصمة جوبا، دعا المعارض البارز ويسلي ويليبي سامسونا إلى مسيرة احتجاجية تهدف إلى ما وصفه بإزالة النظام المعادي للسلام، وفي المقابل، حذرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان من أن ما يجري في جونقلي ليس حادثًا معزولًا، بل تصعيدًا خطيرًا قد يدفع البلاد إلى دوامة عنف جديدة يصعب احتواؤها.
جنوب السودان نال استقلاله عن السودان في يوليو 2011، ليصبح أحدث دولة في العالم، غير أن آمال السلام والاستقرار سرعان ما تبخرت مع اندلاع حرب أهلية بين الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار في ديسمبر 2013، أودت بحياة نحو 400000 شخص وشردت الملايين، وأنهى اتفاق السلام الموقع في 2018 القتال رسميًا، لكنه لم يعالج جذور الصراع المتمثلة في الانقسامات السياسية والعرقية، وضعف مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح، ومع تعثر تنفيذ بنود الاتفاق، وغياب إصلاحات حقيقية، ظل السلام هشًا، تجدد القتال في جونقلي اليوم يعكس فشل المسار السياسي، ويضع مستقبل البلاد على المحك، وسط مخاوف من أن يدفع المدنيون مرة أخرى الثمن الأكبر في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية إهمالًا في العالم.










