أزمة مهنة المحاماة في بيلاروسيا.. "تنظيم متطرف" أم صوت للعدالة؟
أزمة مهنة المحاماة في بيلاروسيا.. "تنظيم متطرف" أم صوت للعدالة؟
تتصاعد المخاوف الدولية بشأن مستقبل مهنة المحاماة وحقوق الدفاع في بيلاروسيا بعد أن أعلنت السلطات مؤخراً الجمعية البيلاروسية لمحامي حقوق الإنسان "تنظيماً متطرفاً"، في خطوة وُصفت بأنها ذروة حملة قمعية تستهدف المحامين المدافعين عن قضايا حقوق الإنسان والمحاكمات العادلة، أثارت هذه الإجراءات التي تأتي في سياق أوسع من التضييق على المعارضة والمجتمع المدني منذ انتخابات 2020 المثيرة للجدل، قلقاً حقوقياً محلياً ودولياً بشأن سيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة في البلاد.
ذكرت منظمة "هيومن رايتش ووتش"، في بيان، أنه منذ تأسيس الجمعية على يد محامين بيلاروسيين في المنفى حُرموا تعسفياً من حق ممارسة المهنة، ركّزت المنظمة على تعزيز استقلالية المحاماة وكشف الانتهاكات الممنهجة في القضاء البيلاروسي، لكن إعلانها كياناً "متطرفاً" من قبل لجنة أمن الدولة وإدراج وزارة الداخلية لعدد من المحامين المرتبطين بها على القائمة السوداء للمنظمات والأفراد "المتورطين في أنشطة متطرفة"، يشكل تهديداً مباشراً يطول ليس فقط أعضاء الجمعية بل أيضاً كل من يتعاون معها أو يدعمها.
تجريم الدفاع
يعني وصف جمعية حقوقية بـ"التنظيم المتطرف" فتح الباب أمام الملاحقة الجنائية، مع عقوبات قد تصل إلى السجن عشر سنوات، ويأتي ذلك ضمن سياسة تنتهجها السلطات منذ الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في أغسطس 2020 عقب الانتخابات الرئاسية التي اعتُبرت مزوّرة.
وفي تلك المرحلة، لم يقتصر القمع على النشطاء السياسيين والصحفيين، بل امتد إلى المحامين الذين تجرؤوا على تمثيل المتهمين في القضايا ذات الطابع السياسي أو كشف انتهاكات حقوق الإنسان أمام الرأي العام.
بحسب تقارير حقوقية، واجه عشرات المحامين في السنوات الأخيرة إلغاءً تعسفياً لتراخيصهم، واقتحامات لمكاتبهم، وغرامات مالية، واعتقالات متكررة، وحالياً، يقبع سبعة محامين خلف القضبان بتهم وُصفت بأنها ملفقة ومرتبطة مباشرة بممارستهم لمهامهم المهنية.
تداعيات على النظام القضائي
تثير هذه الإجراءات تساؤلات حول استقلالية النظام القضائي برمته، فمنذ خمس سنوات تقريباً، عززت وزارة العدل البيلاروسية قبضتها على نقابة المحامين، محوّلة إياها تدريجياً إلى أداة حكومية بدلاً من أن تكون مؤسسة مستقلة تدافع عن مهنييها، وهذا التحوّل يعني عملياً أن المحامين في بيلاروسيا باتوا يعملون تحت تهديد دائم، ما يضعف قدرتهم على تمثيل موكليهم بحرية ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة التي يكفلها القانون الدولي.
وقوبل التصعيد الأخير بإدانات متكررة من منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، التي اعتبرت أن استهداف المحامين جزء من هجوم شامل على ركائز العدالة في بيلاروسيا، كما دعت الأمم المتحدة في بيانات متعددة السلطات البيلاروسية إلى احترام التزاماتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 14 التي تكفل الحق في محاكمة عادلة والحق في الدفاع.
من جهتها، عبرت المفوضية الأوروبية عن "قلق عميق" إزاء استمرار التضييق على المهنة القانونية في بيلاروسيا، معتبرة أن هذه الإجراءات تُبعد مينسك أكثر فأكثر عن القيم الأوروبية المتعلقة بسيادة القانون والحقوق الأساسية.
القانون الدولي في المواجهة
تنص "المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين" التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1990 على ضرورة أن يكون المحامون قادرين على أداء وظائفهم المهنية دون خوف من مضايقة أو تهديد أو تدخل غير مبرر، لكن الواقع في بيلاروسيا يكشف عن انتهاك صارخ لهذه المبادئ، حيث يُستخدم القانون سلاحاً ضد المحامين بدلاً من أن يكون أداة للعدالة.
يُضاف إلى ذلك أن تصنيف جمعية حقوقية تحت مسمى مجموعة "متطرفة" يتعارض مع المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب والتطرف، والتي تؤكد وجوب عدم استغلال هذه التشريعات لتقييد حرية التعبير أو الدفاع المشروع عن الحقوق الأساسية.
ولفهم الحملة الحالية، لا بد من العودة إلى أحداث 2020، حين خرج مئات الآلاف من البيلاروسيين إلى الشوارع رفضاً لإعلان فوز الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بولاية جديدة اعتُبرت غير شرعية، وأسفر الرد الأمني العنيف عن آلاف الاعتقالات وحالات تعذيب موثقة، ومنذ ذلك الحين، كثّفت السلطات إجراءاتها لقمع أي صوت مستقل، بما في ذلك النقابات والمنظمات الحقوقية.
مع تزايد عزلة النظام دولياً بعد دعمه الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، شددت الحكومة البيلاروسية قبضتها الداخلية، وهو ما انعكس بوضوح في المجال القانوني. المحامون الذين يشكلون خط الدفاع الأخير عن النشطاء والمعارضين، أصبحوا هدفاً مباشراً للسلطات.
تداعيات إنسانية وسياسية
لا تنعكس هذه الحملة فقط على المحامين أنفسهم، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، ويحرم آلاف المتهمين في قضايا سياسية أو مرتبطة بحرية التعبير من الدفاع المستقل، ما يتركهم عرضة لمحاكمات شكلية وأحكام جائرة، و هذا بدوره يعمق الشعور بالظلم والإفلات من العقاب، ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.
على المستوى السياسي، تؤدي هذه الممارسات إلى مزيد من العزلة الدولية، وتقلل فرص أي انفتاح أو إصلاح داخلي، كما تُستخدم القضية من قبل منظمات حقوقية وحكومات غربية لتبرير فرض عقوبات جديدة على مينسك، ما يزيد الضغط على النظام ويعمّق أزماته الاقتصادية والسياسية.
تجسد أزمة مهنة المحاماة في بيلاروسيا اليوم جزءاً من مشهد أشمل للقمع المنهجي الذي يطول مختلف مؤسسات المجتمع المدني. فمع تجريم محامي حقوق الإنسان وتحويل نقابة المحامين إلى أداة في يد الدولة، يصبح مستقبل العدالة في البلاد مهدداً بشكل غير مسبوق، وفي ظل غياب إصلاحات جذرية وضغوط دولية أكثر فاعلية، يبقى المحامون والنشطاء والمواطنون العاديون عرضة لدوامة من القمع تقوّض أي أفق لسيادة القانون أو العدالة المستقلة.