في ميزان المعايير الدولية.. أين يقف قانون الإعلام الجديد من حرية التعبير في لبنان؟
في ميزان المعايير الدولية.. أين يقف قانون الإعلام الجديد من حرية التعبير في لبنان؟
في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي يمر بها لبنان، يبرز ملف “قانون الإعلام الجديد” كأحد أهم المعضلات التي تقف عند تقاطع الحريات العامة ووجوب التنظيم القانوني للمشهد الإعلامي، فالقانون الذي طال انتظاره لأكثر من عقد من الزمن، يدعو إلى تحديث الإطار القانوني الذي يحكم الصحافة ووسائل الإعلام، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى هل يقف هذا القانون في شكله الحالي، إلى جانب حرية التعبير وفق المعايير الدولية أم أنه يمثل خطوة إلى الوراء؟.
ويفتقر المجال الإعلامي في لبنان إلى إطار قانوني موحد وشامل، إذ تحكمه منظومة متشعبة من القوانين واللوائح المتعددة التي لا تراعي طبيعة التداخل القائم بين وسائل الإعلام والعاملين فيها، حيث يخضع كل قطاع من القطاعات الإعلامية الرئيسة كالصحافة المكتوبة ومحطات التلفزيون والإذاعة لأطر قانونية خاصة ومستقلة.
وينظم الإعلام في لبنان قانون المطبوعات الصادر سنة 1962، وقد عُدل آخر مرة سنة 1994، وقانون الإعلام المرئي والمسموع الصادر سنة 1994، وبعض المسائل الصحفية مُشار إليها أيضاً في بعض أحكام قانون العقوبات وفي قانون القضاء العسكري، وفي المقابل لا وجود لإطار قانوني للإعلام الإلكتروني.
وكانت هناك نية لإلغاء التوقيف الاحتياطي والمحاكمات الجنائية لكل ما يتعلق بحرية التعبير، ورفع العقوبات السالبة للحرية المرتبطة بالقدح والذم والتحقير من قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري، ما دفع إلى فتح حوار واسع ضم جهات برلمانية وصحفيين ونقابات إعلامية ومنظمات مجتمع مدني، بدعم من اليونسكو ومؤسسات دولية، لتحديث الإطار القانوني وفق المعايير الدولية.
ولم يسلم مشروع القانون الإعلامي الجديد من موجة انتقادات واسعة، تمحورت في الأساس حول الإبقاء على تجريم القدح والذم، فعلى الرغم من الحديث عن تقدمٍ نظري يتمثل في إلغاء بعض أحكام الإدانة، حذّرت منظمات حقوقية لبنانية ودولية من أن الصيغة الحالية للمسودة ما تزال تتضمن نصوصًا فضفاضة وغامضة، تفتح الباب أمام إعادة فرض عقوبة الحبس أو التوقيف الاحتياطي قبل المحاكمة تحت عناوين مثل "إساءة استخدام حرية التعبير" أو "المساس بكرامة الآخرين".
وهو ما يثير مخاوف جدّية من الاعتقالات التعسفية، ويعزز مناخ الرقابة الذاتية لدى الصحفيين والمواطنين على حد سواء.
وفي السياق، لا تزال آليات منح تراخيص المؤسسات الإعلامية خاضعة لشروط غير واضحة، تمنح السلطة التنفيذية هامشا واسعا في تقرير من يحق له تأسيس وسائل إعلام، في تعارض صريح مع المعايير الدولية لحرية الوصول إلى الإعلام، كما تتزايد المخاوف من توظيف القانون الجديد في مزيد من التضييق، خاصة في ظل البيانات الرسمية التي تشير إلى التحقيق في 1684 قضية متعلقة بالإهانة والتشهير خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2024، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد هذه القضايا خلال عام 2023.
ورغم أن البلدان الأخرى في المنطقة تشهد تدهورًا ملحوظًا في حرية الإعلام، يُظهر التقرير الإقليمي أن حرية الصحافة والإعلام لا تزال تحت الهجوم عبر تشريعات قد تُستخدم لتقييد التعبير السلمي، بما في ذلك لبنان الذي يعاني من إرث تشريعات قديمة ولم يصل بعد إلى معايير أفضل الممارسات الدولية.
ويُمثل قانون الإعلام الجديد في لبنان نصًا قانونيًا في طور التشكل، يتأرجح بين محاولات تحديث ومسارات قد تُعيد إنتاج قيود على حرية التعبير، بينما يتطلع المجتمع المدني الدولي والمحلي إلى قانون يحرر الفضاء الإعلامي ويضمن حماية المعايير الدولية لحرية التعبير، تبقى المخاوف قائمة من ضعف صياغات قانونية غامضة قد تُفتح الباب أمام رقابة واستغلال سياسي وقضائي.
غموض والتباسات
من جانبه، قال نقيب الصحفيين اللبنانيين جوزيف القصيفي، في حديث لـ"جسور بوست"، إن مشروع قانون الإعلام الجديد يتضمن مجموعة من النقاط التي يمكن وصفها بالإيجابية، لا سيما من ناحية تعزيز ضمانات حرية الصحافة والتعبير وحركة الإعلاميين، إضافة إلى التحصينات التي يوفرها ضد التوقيف الاحتياطي والتعسفي والسجن، وتعطيل الوسائل الإعلامية.
وأوضح القصيفي أن المشروع ينص صراحة على عدم جواز التوقيف الاحتياطي، وإحالة القضايا ذات الطابع الإعلامي إلى القضاء المدني، مع إلغاء المحاكم الاستثنائية، بحيث لم يعد هناك ما يُعرف بمحاكم خاصة، كما عد من النقاط الجوهرية حصر ملاحقة ومحاكمة الصحفيين والإعلاميين بمحكمة المطبوعات، ومنع إحالة أي قضية إعلامية إلى المحكمة العسكرية، بما يشكل خطوة متقدمة في مسار حماية العمل الصحفي.
ولفت إلى أن هذه الخطوة النوعية تستند في جوهرها إلى تعديل أساسي أُقر عام 1994 بمبادرة من نقابتي الصحافة والمحررين، حين جرى إدخال تعديل جذري على قانون المطبوعات لا يزال نافذا حتى اليوم، في انتظار إقرار مشروع القانون الجديد من قبل المجلس النيابي.
ويقضي هذا التعديل بعدم تعطيل المطبوعة، وعدم حبس الصحفي، واستبدال عقوبة الحبس في حال تواجدها بالغرامة المالية، إلى جانب منع التوقيف الاحتياطي وحصر النظر في القضايا الإعلامية بمحكمة المطبوعات دون سواها.
غير أن القصيفي شدد على أن هذا الشق الإيجابي لا يكفي وحده للحكم على المشروع، مؤكدًا أن القانون يجب أن يُقرأ في سياقه العام، في ظل وجود غموض والتباسات في عدد من مواده، لا سيما تلك المتعلقة بتشكيل "الهيئة الوطنية للإعلام".
مخاطر التعدد النقابي
وأوضح أن تمثيل القطاع الإعلامي في هذه الهيئة يقتصر على عضو واحد فقط، رغم كونه المعني المباشر بالقانون، فيما تُرشح بقية الأعضاء من قبل هيئات نقابية ومهنية أخرى، مثل نقابات المحامين والمهندسين، إلى جانب عميد كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ومديري فرعي الكلية.
وانتقد القصيفي اقتصار المشروع على الإشارة إلى "النقابات المنشأة بقانون"، مع إضافة عبارة "النقابات التي سوف تنشأ"، معتبرًا أن هذا الطرح غير سليم لسببين أساسيين. الأول، أن تمثيل الإعلام في الهيئة الوطنية للإعلام يجب ألا يقل عن ثلاثة أو أربعة أعضاء على الأقل، بما يعكس اتساع القطاع الإعلامي وتنوعه بين المكتوب والمرئي والمسموع والإلكتروني.
أما السبب الثاني فيتمثل في أن النقابات الإعلامية هي الأقدر على تحديد هوية الإعلاميين وتمثيلهم، بحكم تماسها المباشر والدائم معهم، وقدرتها على الترشيح وفق القواعد والمعايير التي يحددها المشروع نفسه.
وفي ما يتعلق بعبارة "التي سوف تنشأ"، أشار القصيفي إلى أنها معطوفة على المادة 123 من مشروع القانون، التي تنص على حرية إنشاء النقابات انسجامًا مع الدستور اللبناني، إلا أنه حذر من أن تعدد النقابات في بلد كلبنان قد يفتح الباب أمام فوضى تنظيمية، ويؤدي إلى تعميق الانقسام وتمزيق الوحدة الصحفية والإعلامية.
واعتبر أن المشروع، على مستوى الحريات، يُعد مقبولًا إلى حد ما، لكنه أُخرج بهذه الصيغة نتيجة ضغوط، وكان من الأجدى إخضاعه لنقاش أوسع وتشاور أعمق، فضلا عن ضرورة إقرانه بآلية تنفيذ واضحة تحوله إلى إطار منتج لإعلام وطني مستقل، قادر على الاندماج في الدورة الاقتصادية الوطنية، لا إعلاما هشا أو تابعًا أو "متسولًا"، على حد تعبيره.
وختم القصيفي بالتأكيد على أن مشروع القانون لا يُرفض بالمطلق، بل يمثل محاولة جدية لمعالجة ملف ظل عالقًا في أروقة المجلس النيابي ولجانه منذ عام 1996 من دون نتائج ملموسة.
وشدد على ضرورة إخضاعه لمزيد من الدرس والتشاور، تفاديًا لتحوله إلى مادة خلافية، مشيرًا إلى تنسيق قائم مع نقابة الصحافة والمحررين لصياغة رؤية موحدة وملاحظات تفصيلية تُرفع إلى الجهات المعنية وتشكل أساسًا لتحرك مهني منظم.
بين الانتكاسة والإنجاز
وبدوره قال المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، في حديث لـ"جسور بوست"، إن قانون الإعلام الجديد في لبنان لا يمكن، وفق ميزان المعايير الدولية لحرية التعبير، اعتباره إنجازًا مكتملًا ولا انتكاسة صريحة، بل يندرج ضمن منطقة رمادية تعكس التناقضات البنيوية في الواقع السياسي اللبناني.
وأوضح أبو زينب أن مشروع القانون يتضمن، من جهة عناصر تقدم مقارنة بالتشريعات النافذة، وفي مقدمتها التوجه نحو إلغاء عقوبة الحبس في قضايا الرأي والتعبير، وتقليص الاعتماد على النصوص الجزائية التي استُخدمت تاريخيًا لملاحقة الصحفيين والناشطين، معتبرًا أن هذا التوجه ينسجم مبدئيًا مع المعايير الدولية التي تؤكد أن التعبير السلمي، مهما كان نقديًا أو صادمًا، لا يجوز أن يواجه بعقوبات سالبة للحرية.
لكنه استدرك بالإشارة إلى أن الصيغة المتداولة للقانون تثير مخاوف جدية لدى الهيئات الحقوقية والإعلامية، لاحتوائها على عبارات فضفاضة وغير محددة بدقة، مثل "حماية الكرامة" و"الآداب العامة" و"المصلحة الوطنية"، وهي مفاهيم، بحسب المعايير الدولية، يجب تعريفها بشكل ضيق وواضح لتفادي إساءة استخدامها.
وأضاف أنه في السياق اللبناني تحديدًا، حيث يعاني القضاء من ضغوط سياسية، ويُستدعى الإعلاميون بشكل متكرر على خلفية مواقفهم أو تحقيقاتهم، تتحول هذه الصياغات الغامضة من أدوات حماية مفترضة إلى وسائل محتملة لتقييد حرية التعبير.
رهينة التوازنات السياسية
ولفت أبو زينب إلى أن بعض التوجهات التي برزت خلال النقاشات البرلمانية حول مشروع القانون، لا سيما ما يتعلق بتنظيم الإعلام الرقمي وفرض التزامات إدارية أو رقابية على المنصات والصحفيين، تتعارض مع روح المعايير الدولية، التي تشدد على رفض أي شكل من أشكال الرقابة المسبقة، وعلى حصر أي تنظيم بالحد الأدنى الضروري لحماية حقوق الآخرين، وبموجب قرار قضائي مستقل وواضح.
وخلص إلى أنه في حال إقرار القانون من دون إدخال تعديلات جوهرية على هذه النقاط الإشكالية، فلن يشكل ضمانة حقيقية لحرية التعبير في لبنان، بل قد يكرس انتقالًا من القمع المباشر إلى تقييد قانوني ملتبس.
وأكد أن الإشكالية لا تقتصر على النص القانوني بحد ذاته، بل تمتد إلى البيئة السياسية والمؤسساتية التي سيُطبق ضمنها، حيث لا تزال حرية الإعلام رهينة التوازنات السياسية أكثر مما هي محمية بإرادة تشريعية واضحة.
وشدد أبو زينب على أن التزام لبنان بالمعايير الدولية لحرية التعبير سيبقى منقوصًا ما لم يُستكمل هذا القانون بنصوص دقيقة، وضمانات قضائية مستقلة، وإرادة سياسية صريحة تنظر إلى الإعلام الحر بوصفه شريكًا في الرقابة والمساءلة، لا خطرًا يجب ضبطه أو تحجيمه.










