إفراج قضائي يفتح جراح العنف الأسري ضد النساء في تركيا

إفراج قضائي يفتح جراح العنف الأسري ضد النساء في تركيا
احتجاجات في تركيا ضد العنف بحق المرأة

أشعل قرار قضائي بالإفراج عن متهم بمحاولة قتل زوجته موجة واسعة من الغضب في تركيا، بعدما تحولت قضية فاطمة تشاكماك إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود حادثة فردية، لتلامس جوهر الجدل الدائر منذ سنوات حول العنف ضد النساء، ودور القضاء، وحدود المحاسبة، خاصة عندما يكون المتهم منتمياً إلى مؤسسة رسمية حساسة.

بحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة يوم السبت، تعرضت فاطمة تشاكماك في 12 يناير الجاري، لمحاولة قتل على يد زوجها ياسين تشاكماك الذي يعمل في وحدة التدريب التابعة لدائرة الحماية الرئاسية، وهو أحد عناصر الحماية الخاصة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمنتمي لحزب العدالة والتنمية، ووفقاً للمعلومات المتداولة، استخدم الجاني أداة حادة، ومارس التعذيب بحق زوجته في واقعة وصفتها منظمات حقوقية بأنها محاولة قتل مكتملة الأركان.

جرى توقيف ياسين تشاكماك في تركيا عقب ارتكاب الجريمة، إلا أن المحكمة قررت لاحقاً الإفراج عنه والاكتفاء بفرض المراقبة القضائية، وأثار هذا القرار ردود فعل غاضبة في الأوساط النسوية والشعبية التي رأت فيه دليلاً جديداً على تساهل القضاء مع جرائم العنف ضد النساء.

غضب نسوي وشعبي متصاعد

سرعان ما انتشرت القضية على نطاق واسع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّرت منظمات نسوية وناشطون عن استيائهم الشديد من القرار القضائي، معتبرين أن الإفراج عن متهم بمحاولة قتل زوجته يبعث برسالة خطيرة مفادها أن حياة النساء ليست أولوية، وأن الجناة يمكنهم الإفلات من العقاب حتى في أخطر الجرائم.

رداً على القرار، أصدر مجلس المرأة في حزب المساواة والديمقراطية الشعبية “DEM” بياناً خطياً طالب فيه بالقبض الفوري على ياسين تشاكماك ومحاسبته، وأكد البيان أن فاطمة تشاكماك عاشت 14 عاماً من الزواج تحت وطأة العنف الذكوري؛ لأنها رفضت الصمت أمام التعذيب ولم تقبل استمرار العنف، وسعت إلى الطلاق، مشيراً إلى أن غياب آليات الحماية الفعالة هو ما أبقاها لسنوات داخل دائرة العنف.

وأوضح البيان أن إطلاق سراح الجاني بعد أخذ إفادته، رغم محاولته قتل فاطمة، يكشف بوضوح كيف تُترك الجرائم المرتكبة ضد النساء بلا عقاب، واعتبر أن قرار الاكتفاء بالمراقبة القضائية والإبعاد لا يضمن سلامة الضحية، بل يترك حياتها معرضة للخطر في أي لحظة.

أرقام صادمة عن قتل النساء

وأشار مجلس المرأة إلى أن عام 2025 شهد مقتل 23 امرأة رغم وجود قرارات حماية، معتبراً أن هذه الأرقام تعكس فشل المنظومة القضائية والقانونية في ردع العنف الذكوري، وأضاف أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى المزيد من الجرائم، ويشجع المعتدين على تكرار أفعالهم دون خوف من المحاسبة.

أكد البيان أن قصة فاطمة تشاكماك ليست حالة استثنائية، بل تمثل واقع آلاف النساء في تركيا اللواتي أصبحن هدفاً للعنف لمجرد مطالبتهن بالطلاق أو بحياة كريمة وآمنة، واعتبر أن الصوت الذي رفعته فاطمة دفاعاً عن حقها في الحياة هو نفسه صوت جميع النساء اللواتي يناضلن ضد العنف الذكوري الممنهج.

وجه مجلس المرأة انتقادات حادة لما وصفه باستغلال الجاني موقعه داخل مؤسسة رسمية لممارسة العنف، مطالباً جميع المسؤولين باتخاذ إجراءات فورية لضمان اعتقاله ومحاسبته بما يستحق، وشدد البيان على أن العمل في دائرة الحماية الرئاسية لا يمكن أن يكون غطاءً للإفلات من العقاب أو سبباً لتخفيف الإجراءات القانونية.

مطالب بحماية الضحية

إلى جانب المطالبة باعتقال الجاني، شدد مجلس المرأة على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لحماية حياة فاطمة تشاكماك وضمان أمنها الجسدي والنفسي، وأكد أن أي تقصير في هذا الجانب قد يؤدي إلى نتائج كارثية، في ظل سجل طويل من الجرائم التي انتهت بمقتل نساء رغم وجود بلاغات وقرارات حماية.

أعادت هذه القضية تسليط الضوء على ما تصفه المنظمات النسوية بالقضاء الذكوري، الذي يتساهل مع مرتكبي جرائم العنف ضد النساء، ويعتمد في كثير من الأحيان على قرارات لا تحقق الردع المطلوب، ويرى منتقدو القرار أن العدالة لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار هذا النهج، وأن الثقة بالقضاء تتآكل مع كل قضية مشابهة.

تفعيل اتفاقية إسطنبول

جددت المنظمات النسوية، وعلى رأسها مجلس المرأة في حزب “DEM”، مطالبها بإعادة تفعيل اتفاقية إسطنبول وتطبيق جميع مواد القانون رقم 6284 بشكل فعّال، وأكدت أن هذه الاتفاقية والقانون يشكلان الضمان الحقيقي لحياة النساء وكرامتهن، وأن تعطيلهما أو إفراغهما من مضمونهما يفتح الباب أمام المزيد من الانتهاكات.

في مختلف المدن التركية، عبّرت ناشطات عن تضامنهن مع فاطمة تشاكماك، معتبرات أن قضيتها تمثل معركة جماعية من أجل الحق في الحياة والأمان، وتؤكد هذه الأصوات أنها لن تصمت أمام أي محاولة للتستر على العنف، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات تعمل داخل مؤسسات الدولة.

تشهد تركيا منذ سنوات جدلاً واسعاً حول قضايا العنف ضد النساء وفعالية القوانين الرادعة، ورغم وجود تشريعات تهدف إلى حماية النساء، تشير تقارير حقوقية إلى ارتفاع أعداد جرائم القتل والعنف الأسري، وسط اتهامات متكررة للقضاء بالتساهل مع الجناة. كما أثار انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول موجة انتقادات محلية ودولية، باعتبار الاتفاقية إطاراً أساسياً لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفي هذا السياق، تتحول قضايا مثل قضية فاطمة تشاكماك إلى مؤشرات خطيرة على واقع الحماية القانونية للنساء، وتطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العدالة وحقوق المرأة في البلاد، في ظل مطالب متزايدة بإصلاح جذري يضع حياة النساء فوق أي اعتبارات سياسية أو مؤسسية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية