مداهمات الهجرة تعيد ذاكرة الاضطهاد.. الصوماليون الأمريكيون في اختبار صعب
مداهمات الهجرة تعيد ذاكرة الاضطهاد.. الصوماليون الأمريكيون في اختبار صعب
تحولت أحياء جنوب مدينة مينيابوليس في الأسابيع الأخيرة إلى ساحة قلق مفتوحة، بعدما بدأت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية تنفيذ عمليات مكثفة طالت بشكل مباشر الجالية الصومالية، إحدى أكبر تجمعات اللاجئين في الولايات المتحدة. بالنسبة لكثيرين لم تكن هذه العمليات مجرد إجراء أمني عابر، بل تجربة أعادت إليهم إحساساً قديماً بالملاحقة والخوف، إحساساً ظنوا أنهم تركوه خلفهم حين لجؤوا إلى بلد وعدهم بالحماية وسيادة القانون.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز السبت، سارعت كوثر محمد، وهي ناشطة شابة وطالبة دكتوراه في جامعة مينيسوتا، إلى التحرك فور بدء المداهمات، في مبادرة شعبية طرقت خلالها الأبواب، وردت على مكالمات هاتفية في ساعات متأخرة من الليل، وحشدت العشرات من الأمريكيين من أصول صومالية لتشكيل فريق استجابة شعبي، هدفه الأساسي طمأنة الناس وحمايتهم من الشعور بالعزلة والخوف.
عودة المخاوف القديمة
القلق الذي ساد الجالية الصومالية لم يكن وليد اللحظة، فكثيرون شعروا بأنهم مستهدفون على نحو خاص، في مشهد أعاد إلى ذاكرتهم ممارسات القمع والمراقبة التعسفية التي هربوا منها في بلدانهم الأصلية، ولكن الفكرة التي كانت راسخة لديهم أن الدستور الأمريكي يشكل درعاً واقياً، بدت وكأنها تتصدع أمام مشاهد توقيف في الشوارع وطلبات مفاجئة لإثبات الهوية ضمن سياسات الهجرة الأمريكية الجديدة.
كوثر محمد لخصت هذا الشعور بقولها إن أحداً لم يكن يتخيل أن يتعرض شخص لما يشبه الخطف من الشارع فقط ليطلب منه إثبات أنه مواطن، لم يكن الاعتقاد أن ذلك مستحيل، بل الإيمان بأن الدستور يمنع الوصول إلى هذا المستوى من الاستجواب والترهيب.
شبكة تطوع في مواجهة الخوف
اليوم يشارك أكثر من 100 متطوع في دوريات شعبية تجوب جنوب مينيابوليس. يوزعون إرشادات قانونية حول معرفة الحقوق، ويرافقون كبار السن الذين يخشون الخروج بمفردهم، ويوثقون أي احتكاك مع عناصر الأمن، وهذه المبادرات تحولت إلى خط دفاع اجتماعي في مواجهة ما يصفه السكان بمداهمات مشكوك في دستوريتها، هزت استقرار جالية يقدر عددها بنحو 80000 شخص في ولاية مينيسوتا.
العمليات الأمنية التي شملت نشر نحو 3000 عميل اتحادي بأمر من الرئيس دونالد ترامب فجرت جدلاً سياسياً واسعاً، فقد اتهم الديمقراطيون وقادة محليون الإدارة باستهداف جالية ذات ثقل سياسي قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، معتبرين أن ما يجري يحمل في طياته محاولة لترهيب الناخبين وتقليص مشاركتهم السياسية.
اتهامات بالتمييز والترهيب
تصاعد التوتر أكثر مع اتهامات لعناصر الأمن بمضايقة متظاهرين سلميين، وممارسة التمييز العنصري، وتفتيش منازل دون مذكرات قضائية، وزادت حدة الغضب بعد مقتل رينيه جود، 37 عاماً، برصاص أحد عناصر إدارة الهجرة في السابع من يناير، وهو حادث ترك أثراً عميقاً في نفوس السكان.
عبد الله فرح الرئيس المشارك لمجلس القيادة الصومالية الأمريكية قال إن كثيراً من الصوماليين فروا من ويلات الحرب ليجدوا أنفسهم أمام حرب أخرى تشعلها هذه السياسات، وأكد أن الخطاب العنصري الذي تبناه ترامب لسنوات ضد السود والمهاجرين من ذوي البشرة الملونة شجع جماعات يمينية متطرفة، وأثر سلباً في شعور الناس بالأمان وفي الأعمال الصغيرة التي تشكل عماد الاقتصاد المحلي في هذه الأحياء.
تبريرات رسمية وردود متباينة
في المقابل أكدت وزارة الأمن الداخلي أن المهاجرين الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية أو أوامر ترحيل يخضعون للإجراءات القانونية الواجبة، وأن أوامر الترحيل نهائية وصادرة عن قضاة هجرة، كما شددت الإدارة على أن العمليات تهدف إلى مكافحة الجريمة، مستندة إلى قضايا سابقة تتعلق باختلاس أموال اتحادية مخصصة لبرامج الرعاية الاجتماعية في مينيسوتا.
غير أن هذه التبريرات لم تقنع كثيراً من السكان، خاصة أن عدداً من الموقوفين لم توجه إليهم تهم جنائية ولم يكن لهم سجل إجرامي. بالنسبة للجالية بدا الأمر وكأنه عقاب جماعي يطول الأبرياء قبل المذنبين.
تأثير مباشر في الحياة اليومية
في حي سيدار ريفرسايد المعروف بحيويته وكثافة سكانه من أصول صومالية باتت الشوارع أكثر هدوءاً، فأصحاب المتاجر الصغيرة لاحظوا تراجعاً واضحاً في الحركة التجارية منذ وصول عناصر إدارة الهجرة، وقال رشيد جاما، مدير متجر بقالة في الحي المعروف أيضاً باسم الضفة الغربية، إن النشاط أصبح بطيئاً جداً، مشيراً إلى أن كثيراً من الموردين من أصول لاتينية يخشون القدوم إلى العمل.
هذا التباطؤ الاقتصادي يعكس حالة خوف عامة لا تقتصر على الصوماليين وحدهم، بل تمتد إلى جاليات مهاجرة أخرى تشعر بأنها قد تكون الهدف التالي.
تنظيم شعبي وتصعيد سياسي
جهود كوثر محمد ليست معزولة. فهي جزء من موجة أوسع من المبادرات الشعبية التي تشمل تصوير عمليات الاعتقال، وتنظيم احتجاجات سلمية، وتسريع حملات توعية الناخبين. ووفق مقابلات أجرتها رويترز مع أكثر من 12 ناشطاً ومسؤولاً محلياً وسكان، يخشى كثيرون أن تكون هذه المداهمات محاولة ممنهجة لقمع إقبال الناخبين قبل انتخابات نوفمبر 2026.
عبد الله فرح قال إن بث الرعب في قلوب الناس قد يدفعهم إلى العزوف عن التصويت، مؤكداً أن هذا هو الهدف غير المعلن، وأوضح أن مجموعته تتعاون مع منظمات أخرى لتدريب السكان على كيفية التعامل مع مداهمات الهجرة، إضافة إلى قضايا تمس حياتهم اليومية مثل تكاليف المعيشة.
في هذا السياق تحولت المساجد والمراكز المجتمعية إلى فضاءات للتثقيف السياسي، حيث يجري شرح الحقوق الدستورية، وأهمية المشاركة الانتخابية، وسبل الحماية القانونية.
الجالية الصومالية والسياسة الأمريكية
يدعم الأمريكيون من أصل صومالي الحزب الديمقراطي إلى حد كبير منذ وصول موجات اللاجئين في تسعينيات القرن الماضي، وازداد نشاطهم السياسي في العقد الأول من الألفية، ومن أبرز رموز هذه الجالية النائبة إلهان عمر التي كانت مراراً هدفاً لتعليقات ترامب المثيرة للجدل.
البيت الأبيض رد على الانتقادات بالقول إن المهاجرين الذين لا يسهمون في الاقتصاد ولا يندمجون في المجتمع لا مكان لهم في البلاد. في المقابل نفى رئيس الحزب الجمهوري في مينيسوتا أليكس بليتشاش وجود دوافع سياسية للمداهمات، معتبراً هذه الاتهامات غير صحيحة، لكنه أقر بأن الشكاوى المتعلقة بالأساليب العدوانية تستدعي المراجعة.
التصويت وسيلة مقاومة
رغم الخوف والضغوط، يؤكد قادة الجالية أن الرد سيكون عبر المشاركة السياسية، وقال عبد الله كاهي البالغ من العمر 37 عاماً، والذي حصل على الجنسية الأمريكية عام 2024، إن قوة الجالية تكمن في التصويت، مؤكداً أن أي محاولة لترهيب الصوماليين لن تنجح في كسر إرادتهم.
تعد ولاية مينيسوتا موطناً لواحدة من كبرى الجاليات الصومالية في الولايات المتحدة، حيث استقر عشرات الآلاف من اللاجئين منذ تسعينيات القرن الماضي هرباً من الحرب الأهلية في الصومال، ومع مرور الوقت، بنت هذه الجالية شبكات اقتصادية واجتماعية وسياسية مؤثرة، وأسهمت في الحياة العامة عبر المشاركة الانتخابية والتمثيل السياسي. في المقابل شهدت سياسات الهجرة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تشدداً متزايداً، رافقته حملات أمنية واسعة وخطاب سياسي حاد حول الهجرة، ما جعل مجتمعات مهاجرة عديدة تشعر بأنها تحت المجهر. وفي هذا السياق تعكس تجربة الصوماليين في منيابوليس صراعاً أوسع بين وعود الدستور الأمريكي ومخاوف التمييز والترهيب، صراعاً لا تزال فصوله مفتوحة على احتمالات متعددة.











