اتفاق معلق أم شراكة مشلولة.. أين يتجه التعاون البريطاني الفرنسي في ملف المهاجرين؟

يثير جدلاً بين الأمن وحقوق الإنسان

اتفاق معلق أم شراكة مشلولة.. أين يتجه التعاون البريطاني الفرنسي في ملف المهاجرين؟
الهجرة غير الشرعية عبر المانش - أرشيف

في رقم قياسي جديد، أدى عبور أكثر من 14 ألف مهاجر القنال الإنجليزي منذ بداية العام، إلى إثارة حالة من الجدل المتصاعد حول نجاعة الحلول المطروحة طول السنوات الماضية.

وسجلت بريطانيا منذ مطلع العام الجاري عبور أكثر من 14 ألف شخص إلى أراضيها عبر القنال الإنجليزي باستخدام قوارب صغيرة، في رقم قياسي يعيد إلى الواجهة الجدل حول استمرار موجات الهجرة غير النظامية، وسط عجز واضح من الجانبين البريطاني والفرنسي عن وضع حلول ناجعة ومستدامة رغم التصريحات المتكررة بشأن تعزيز التعاون الأمني والحدودي.

وبحسب خبراء تحدثوا إلى "جسور بوست" من فرنسا وبريطانيا، فإن تصاعد أعداد المهاجرين يعود إلى اعتقاد واسع لدى طالبي اللجوء بأن المملكة المتحدة توفر فرص عمل أكثر وسهولة أكبر في الإقامة، فضلاً عن ضعف التنسيق العملي بين لندن وباريس في مواجهة الظاهرة.

بوابة محفوفة بالأخطار

والقنال الإنجليزي (English Channel) معروف في فرنسا باسم "بحر المانش" (La Manche)، هو ممر مائي يفصل بريطانيا العظمى عن فرنسا، ويعد امتدادًا للمحيط الأطلسي، ويربط بحر الشمال بالمحيط، وقد أصبح في السنوات الأخيرة من أبرز معابر الهجرة غير الشرعية نحو المملكة المتحدة.

وأفادت السلطات البريطانية أن يوم السبت الماضي شهد عبور 1,194 مهاجرًا عبر القنال في قوارب صغيرة، وهو أعلى رقم يُسجل في يوم واحد خلال العام الجاري، وبذلك يصل إجمالي من عبروا البحر نحو بريطانيا منذ يناير إلى 14.808 أشخاص، وفق إحصاء أجرته وكالة الصحافة الفرنسية بالاعتماد على بيانات رسمية.

ويُذكر أن الرقم القياسي السابق سجل في 1 سبتمبر 2022 بوصول 1,305 مهاجرين في يوم واحد، فيما بلغ إجمالي المهاجرين في ذلك العام 45.774 شخصًا، وبعد تراجع نسبي في 2023 (بنحو 36.800 مهاجر)، إذ تُنذر أرقام العام الجاري بتحطيم أرقام قياسية جديدة. 

وتواجه حكومة حزب العمال الجديدة، برئاسة كير ستارمر، ضغوطًا متزايدة للحد من الهجرة غير النظامية، ويبحث مجلس العموم حاليًا مشروع قانون يعزز صلاحيات قوات الأمن في التصدي لشبكات التهريب.

تراخي وغياب التنسيق

من جانبها، أعلنت البحرية الفرنسية إنقاذ 184 شخصًا في مضيق با-دو-كاليه بين مساء الجمعة وظهر السبت، غير أن صورًا التقطت لرجال شرطة فرنسيين، وهم يراقبون مغادرة قوارب المهاجرين من الشاطئ دون تدخل أثارت غضب الجانب البريطاني، الذي اعتُبر ذلك "تراخيًا مرفوضًا".

ووصف وزير الدفاع البريطاني، جون هايلي، تلك المشاهد بأنها "صادمة"، مؤكدًا عبر "سكاي نيوز" و"بي بي سي" أن "لندن اتفقت مع باريس على تغيير طريقة التعامل، لكن التنفيذ لا يزال غائبًا"، داعيًا إلى تفعيل الاتفاقات ومنح القوات الفرنسية صلاحيات أوسع للتدخل.

ومنذ مطلع 2025، لقي ما لا يقل عن 15 شخصًا حتفهم في مياه القنال، وفق بيانات رسمية، كما بلغ عدد ضحايا المعبر البحري خلال 2024 نحو 78 مهاجرًا، وهو أعلى رقم سنوي منذ بدء الظاهرة عام 2018.

وفي سياق متصل، حذّرت الحكومة البريطانية من أن "المملكة مهددة بالتحوّل إلى جزيرة من الغرباء" إن لم تُفرض رقابة أشد على الوافدين، بحسب تصريحات نقلتها صحيفتا الإندبندنت والتلغراف.

وأظهرت بيانات رسمية دخول 728 ألف مهاجر إلى المملكة خلال 12 شهرًا حتى يونيو 2024، مقابل 906 آلاف في 2023، ويأتي هذا وسط ضغوط متزايدة من حزب "الإصلاح" اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج، الذي أحرز تقدمًا ملحوظًا في الانتخابات المحلية الأخيرة.

ورغم تبني حزب العمال خطابًا أكثر صرامة تجاه الهجرة، ووعوده بخفض الأعداد، فقد وصف المحافظون تلك الخطط بأنها "استسلام مغطى براية بيضاء".

الأسباب والحلول المقترحة

بدوره قال المحامي الدولي المختص بقضايا الهجرة في بريطانيا، محمد أبو شنب، في تصريح لـ"جسور بوست" إن استمرار تدفق المهاجرين عبر القنال، وتسجيل أرقام يومية مرتفعة رغم التشديد القانوني، يعود إلى جذور عميقة تتجاوز المعالجات السطحية.

وأوضح أن العوامل الدافعة تشمل الفقر، وانعدام الأمن، والنزاعات المسلحة، والاضطهاد، إضافة إلى الانهيار الاقتصادي في بعض الدول. واعتبر أن "البحر بالنسبة لكثيرين ليس خيارًا، بل هو السبيل الوحيد للهروب من واقع ميؤوس منه".

وأشار أبو شنب إلى "غياب قنوات الهجرة القانونية، وافتقار النظام الدولي إلى حلول عادلة للاجئين، إلى جانب انعدام الاعتراف القانوني بالنازحين لأسباب مناخية أو اقتصادية".

وفيما يتعلق بالداخل البريطاني، يرى أن السياسات المتشددة، مثل خطط الترحيل إلى رواندا، لا تراعي الأبعاد الإنسانية، داعيًا إلى نهج أكثر توازنًا من خلال طرح يشمل 3 محاور رئيسية يتمثل أولها في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة عبر دعم التنمية في الدول المصدرة.

بينما يتركز المحور الثاني في توفير قنوات آمنة وقانونية للهجرة المنظمة، والثالث يتمثل في تسريع إجراءات اللجوء وتحسين ظروف الاستقبال، والمحور الرابع يولي اهتماماً بمحاربة شبكات التهريب عبر تنسيق دولي أوسع.

غياب القيود وجاذبية سوق العمل

من جانبه، أرجع الباحث الفرنسي المختص بالشؤون الأوروبية، بيير لويس ريمون، تفضيل المهاجرين لبريطانيا إلى "غياب القيود المشددة مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى"، فضلًا عن اعتقادهم بوجود تسهيلات كبرى في سوق العمل.

وقال ريمون في تصريح لـ"جسور بوست"، إن "بريطانيا تسعى أخيرًا لتشديد سياساتها"، إلا أن التعاون مع فرنسا في منع عمليات العبور ما يزال دون المستوى المطلوب، واصفًا الأمر بـ"التحدي المشترك الذي لا يمكن حله إلا من خلال التزامات واضحة ومبادئ موحدة بين الجانبين".

وأكد ريمون، أن "ظاهرة مهاجري القوارب مستمرة منذ سنوات، لكن التنسيق الفرنسي البريطاني ما يزال دون الطموح"، مشددًا على أن "حل الأزمة يبدأ من موقف مشترك وتطبيق متكافئ للاتفاقيات على الأرض".

وفي ضوء الأرقام القياسية الجديدة لعبور المهاجرين عبر القنال الإنجليزي، يتضح أن الظاهرة لم تعد مجرد تحدٍ أمني أو سياسي، بل أزمة إنسانية متفاقمة تعكس عمق الفجوة بين الواقع الميداني والحلول المطروحة.

وبينما تستمر الحكومات في تبادل الاتهامات وتكرار التصريحات، تبقى الأرواح معلّقة بين ضفّتين، تبحث عن الأمان والكرامة، ولا سيما أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب إرادة سياسية مشتركة، ونهجًا متكاملًا يعالج الأسباب الجذرية، ويوازن بين متطلبات السيادة الوطنية والالتزامات الإنسانية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية