إبادة الروما والسنتي.. جرحٌ مفتوح في الذاكرة الأوروبية ومعركة مستمرة ضد الكراهية
إبادة الروما والسنتي.. جرحٌ مفتوح في الذاكرة الأوروبية ومعركة مستمرة ضد الكراهية
في قلب أوروبا التي تتفاخر بحقوق الإنسان والتنوع، يظل تاريخ "الروما والسنتي" شاهدًا على أحد أشد الفصول ظلمةً في القرن العشرين، حيث إبادة جماعية ممنهجة حصدت أرواح ما يصل إلى نصف مليون إنسان خلال الهولوكوست، ورغم مرور عقود طويلة، بقيت آثار هذا التاريخ الدموي حاضرةً في أشكال جديدة من التحيز وجرائم الكراهية التي ما تزال تنهش كرامة هذه المجتمعات حتى يومنا هذا.
جريمة جماعية في قلب الهولوكوست
في ليلة الثاني من أغسطس 1944، وقعت واحدة من أبشع الجرائم المنسية في تاريخ أوروبا، ففي معسكر أوشفيتز-بيركيناو، نفذ النازيون خطة التصفية النهائية لما عُرف بـ "معسكر الروما"، حيث أُعدم أكثر من 4,000 رجل وامرأة وطفل من الروما والسنتي في ليلة واحدة فقط، تلك الليلة أصبحت رمزًا لجريمة جماعية أبيد فيها نحو نصف مليون إنسان لا لشيء سوى انتمائهم العِرقي، وفقاً لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وفقًا لتقديرات الباحثين والمؤرخين، بلغ عدد ضحايا الروما والسنتي في الهولوكوست بين 220 ألفًا و500 ألف شخص، لكن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر بسبب النقص في التوثيق والتمييز الذي عانوا منه حتى في سجلات الموت.
منسيون في كتب التاريخ والذاكرة الجماعية
رغم فداحة الفاجعة، فإن إبادة الروما والسنتي بقيت لعقود طويلة في الهامش، لم تجد نفس المكانة في الذاكرة الأوروبية العامة مثل مأساة اليهود. ويعود ذلك، وفق خبراء حقوق الإنسان، إلى استمرار الصور النمطية والتهميش التاريخي الذي عانته هذه المجتمعات.
تقول ماريا تيلاليان، مديرة مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (ODIHR): "من خلال تكريم الضحايا وحفظ قصصهم، نساهم في ضمان الاعتراف بمعاناتهم وجعلها جزءًا لا يتجزأ من ذاكرتنا الجماعية"، لكن تيلاليان تؤكد أن إحياء الذكرى لا يقتصر على التذكير بالماضي، بل هو أداة أساسية لمكافحة التحيز وخطاب الكراهية الذي لا يزال يتسلل في الحاضر.
تحيّز متجذّر وجرائم كراهية مستمرة
رغم مرور أكثر من ثمانية عقود على الإبادة، يظل الروما والسنتي أكبر أقلية عرقية تواجه التمييز في أوروبا، تشير تقارير الاتحاد الأوروبي إلى أن نحو 80% من الروما يعيشون تحت خط الفقر، وأن أكثر من 40% منهم يواجهون خطابات كراهية أو تهديدات أو اعتداءات بدوافع عنصرية.
وفي استطلاع حديث أجرته وكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي (FRA)، قال ثلث الروما إنهم تعرضوا لتمييز مباشر خلال الاثني عشر شهرًا الماضية فقط. هذه الأرقام تُظهر بوضوح أن مأساة الماضي لم تُغلق فصولها بعد، بل استمرت بأشكال جديدة.
دور المنظمات الدولية من التوثيق إلى التغيير
في مواجهة هذه الحقائق المؤلمة، تبذل منظمات حقوق الإنسان جهدًا كبيرًا لتوثيق الانتهاكات ودعم مجتمعات الروما والسنتي. مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ODIHR) التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أكد في يوم ذكرى إبادة الروما أن التثقيف حول ما حدث ضرورة قصوى، ليس فقط لإحياء الذكرى بل أيضًا لمنع تكرار التاريخ.
كما تعهدت الدول المشاركة في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بتعزيز إحياء الذكرى والتثقيف بشأن هذه الفظائع. وفي هذا السياق، ينشر المكتب تقريرًا كل عامين عن أنشطة إحياء ذكرى الهولوكوست في المنطقة، ويُتوقع أن تصدر الطبعة القادمة في أوائل 2026 لتقديم لمحة محدثة عن جهود مكافحة التمييز.
مسؤولية سياسية واجتماعية
لا تقتصر جهود مواجهة التمييز ضد الروما والسنتي على المنظمات غير الحكومية، بل هي مسؤولية سياسية تقع على عاتق الحكومات الأوروبية أيضًا، فقد وقّعت معظم دول الاتحاد الأوروبي على استراتيجيات وطنية لإدماج الروما في مجالات التعليم والعمل والصحة والإسكان.
مع ذلك، يرى خبراء أن التطبيق العملي لهذه الخطط ما زال متعثرًا. في تقرير صادر عام 2023 عن المفوضية الأوروبية، أُشير إلى استمرار فجوات عميقة في التعليم والعمل والرعاية الصحية بين الروما وبقية السكان، هذه الفجوات تؤكد الحاجة لإجراءات ملموسة تتجاوز الشعارات والخطط الورقية.
ذاكرة حية وأصوات حاضرة
في الذكرى السنوية لإبادة الروما، اجتمع الناجون وأحفاد الضحايا ونشطاء المجتمع المدني في موقع معسكر أوشفيتز-بيركيناو. وقفوا في صمت لتكريم الضحايا، وأعادوا التأكيد على التزامهم بحفظ ذاكرتهم جزءاً لا يتجزأ من هوية أوروبا الحديثة.
تقول إحدى الناجيات: "نحن لسنا أرقامًا في كتب التاريخ، نحن عائلات فقدت أبناءها، وأصواتنا هي التي تحفظ الحقيقة من النسيان". مثل هذه الشهادة الإنسانية يمنح القضية وجهًا بشريًا يتجاوز الإحصاءات، ويعيد للأرواح المفقودة حقها في الوجود الرمزي والذاكرة الجماعية.
من التوعية إلى التغيير
يُجمع الخبراء أن التوعية بأحداث إبادة الروما خطوة أولى ضرورية، لكنها غير كافية وحدها، المطلوب هو بناء وعي مجتمعي راسخ بأن أي خطاب الكراهية و التمييز، حتى وإن بدا عابرًا، هو شرارة قد تُشعل نار المآسي مجددًا.
ترى ماريا تيلاليان أن إحياء الذكرى يجب أن يُترجم إلى سياسات تعليمية وإعلامية شاملة، تبدأ في المدارس وتستمر في الإعلام والثقافة العامة، فالمعركة ضد التحيز تبدأ من الوعي النقدي بتاريخ أوروبا نفسه، بكل ما فيه من نور وظلمة.
رسالة للمستقبل
في نهاية المطاف، يذكّرنا تاريخ إبادة الروما والسنتي بأن الكراهية لا تُولد في فراغ، بل تنمو في تربة الجهل والصمت والتهميش. إحياء الذكرى ليس واجبًا تجاه الماضي فحسب، بل التزامٌ أخلاقي لبناء مستقبل أكثر عدلاً.
وتبقى كلمات تيلاليان تلخص جوهر هذه القضية: من خلال الاعتراف بمعاناة الضحايا ومكافحة التمييز اليوم، نؤسس لمجتمعات أكثر إنسانية، لا تكرر أخطاء الأمس.