بإصرار وعزيمة.. رضية أم يمنية كسرت قيود الأمية وسط مآسي الحرب
بإصرار وعزيمة.. رضية أم يمنية كسرت قيود الأمية وسط مآسي الحرب
في إحدى قرى مديرية المعافر بمحافظة تعز اليمنية، حيث تتراكم الهموم كما تتراكم الغيوم فوق سماء المدينة المحاصرة بالحرب، تقف رضية شمسان (52 عاماً) شاهدة على أن الإرادة قادرة على مواجهة كل شيء: الفقر، الفقد، وحتى الأمية.
"غياب أولادي وقلقي عليهم أرهقني كثيراً، ورغم ذلك أصررتُ على أداء الاختبارات، وإن كان قلبي مشغولاً بأبنائي"، هكذا تلخص رضية قصتها التي لا تشبه أي قصة أخرى، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم الاثنين.
فقدان اثنين من أبنائها منذ عامين ترك جرحاً غائراً في قلبها، لكنها لم تسمح للحزن أن يوقف مسيرتها، بل حولت قلقها إلى دافع يثبت أن الأم تستطيع أن تنهض حتى من تحت الركام.
طفولة مسروقة وأم استثنائية
لم يكن الطريق سهلاً.. في طفولتها، حُرمت من دخول المدرسة فقط لأنها أنثى.. "كان أهلي يقولون: المدرسة للأولاد فقط، أما البنات فعليهن الزراعة ورعي الأغنام"، تقول وهي تسترجع ذكريات مؤلمة.. منذ ذلك اليوم، ظل التعليم حلماً مؤجلاً يرافقها أينما ذهبت.
كبرت رضية وتزوجت، ثم كرست حياتها لتربية تسعة أبناء، لم يكن لديها وقت لنفسها، فتعلمت الخياطة وجلبت ماكينة إلى بيتها لتسد احتياجات أسرتها، ومع ذلك، ظل الحلم القديم يلح عليها.
عندما طُلب منها ذات يوم إعداد قوائم تدريب للنساء في قريتها، اكتشفت أنها لا تعرف القراءة أو الكتابة.. كان الموقف صادماً لكنه شكّل نقطة التحول.. "من هنا قررت أن ألتحق بمركز محو الأمية"، تقول بابتسامة يغلب عليها الاعتزاز.
من الحروف الأولى إلى الثانوية
كانت فرحتها لا توصف حين كتبت أول كلمة بشكل صحيح، وبدعم أبنائها ومعلميها، أنهت المرحلة الابتدائية في مراكز محو الأمية، ثم التحقت بالمدرسة الإعدادية.
واجهت التنمر من الطلاب لصغر سنهم وكبر سنها، لكنها حولت السخرية إلى محبة حين صاروا ينادونها "ماما رضية".. تدريجياً، أصبحت قدوة لزملائها وأيقونة للإصرار في مدرستها.
رغم ألم الفقد، نجحت في الثانوية العامة بمعدل 76%، لتثبت أن التعليم ليس حكراً على سن معينة ولا تعوّقه الظروف مهما كانت قاسية.
واليوم، بدأت إجراءات التسجيل في الجامعة لاختيار تخصص نظم المعلومات، متطلعة إلى أن تصبح نموذجاً للنساء اللواتي لم تتح لهن فرصة التعلم.
شهادة معلمتها
تقول هدى ياسين، معلمة بمركز محو الأمية: "رضية شمسان نموذج ملهم لكل الأمهات.. أنصح النساء ألا يجعلن العمر أو الظروف عائقاً أمام التعليم".
وتضيف ياسين، بحزن أن المراكز تفتقر للكتب والكوادر، ما يهدد استمرار قصص نجاح كهذه.
رغم وجود قانون محو الأمية منذ عام 1998، فإن مراكز التعليم غير النظامي تعاني من الإهمال ونقص الموارد.
ويحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن هذه المراكز مهددة بالانهيار، ما يشكل خطراً على مستقبل آلاف النساء اللواتي يشبهن رضية في أحلامهن وكفاحهن.
الحلم المستمر
اليوم، لم تعد رضية أسيرة حرمان الطفولة، بل أصبحت عنواناً للأمل. تبتسم بثقة وتقول: "حلمي الأول تحقق، والآن أسعى لحلمي الثاني. سأدخل الجامعة بخطوات واثقة، وأشعر بالفخر".
بهذا الصوت الأمومي الممزوج بالقوة، تكتب رضية قصتها لتكون مرآة لكل امرأة تعتقد أن العمر أو الظروف قد سرقت منها حلمها، فتثبت أن الأحلام لا تموت، بل تنتظر من يملك الشجاعة ليحييها.