زواج القاصرات في العراق.. شرعنة قانونية ومعاناة مجتمعية

زواج القاصرات في العراق.. شرعنة قانونية ومعاناة مجتمعية
زواج القاصرات - أرشيف

على الرغم من مصادقة العراق على اتفاقية حقوق الطفل (1994) واتفاقية سيداو (1986) التي تحظر الزواج القسري وزواج الأطفال، صوّت البرلمان العراقي في 21 يناير الماضي على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بما يسمح بزواج الفتيات ابتداءً من سن التاسعة، بموافقة ولي الأمر، وإجازة عقود الزواج خارج المحاكم.

ويُعد هذا التعديل تراجعًا خطيرًا عن الالتزامات الدولية للعراق، وتجاهلًا صارخًا لحقوق الطفولة والمرأة، إذ يعيد إنتاج أشكال التمييز ويكرس ثقافة انتهاك الكرامة الإنسانية.

ويرتبط زواج القاصرات في العراق والمنطقة بعوامل متشابكة، على رأسها الفقر، وغياب الوعي، والضغوط الاجتماعية. إذ ترى العديد من الأسر أن تزويج بناتهن في سن مبكرة وسيلة للحماية أو للهروب من الأعباء الاقتصادية.

لكن الدراسات الطبية والنفسية تؤكد أن أجساد الفتيات دون 18 عامًا غير مهيأة للحمل والإنجاب، وأن تجاوز المراحل الطبيعية للنمو يؤدي إلى آثار مدمرة على الصحة الجسدية والنفسية، فضلًا عن سلب حقهن في اختيار الشريك وتوقيت الزواج.

بين القانون والممارسة 

رغم أن قانون إقليم كردستان (رقم 15 لسنة 2008) يمنع الزواج قبل سن 16 عامًا إلا بقرار قضائي استثنائي، ورغم مصادقة حكومة الإقليم على قانون مكافحة العنف الأسري (2011)، فإن الواقع يكشف عن انتهاكات واسعة.

فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن 23% من الزيجات في الإقليم تتم قبل سن 18 عامًا، وأكثر من 10% قبل سن 15 عامًا، حيث يتم عقد العديد من الزيجات خارج المحاكم عبر رجال دين، رغم أن القانون يفرض غرامات وسجنًا يصل إلى 5 سنوات على من ينفذ مثل هذه العقود.

وفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، تم تسجيل 55,896 عقد زواج في كردستان عام 2022، بينها 8,048 حالة لفتيات دون 18 عامًا (14.4%).

أما عالميًا، فتُسجّل سنويًا حوالي 12 مليون حالة زواج لفتيات دون 18 عامًا، ومن 2011 إلى 2020 تم تزويج 140 مليون فتاة، نصفهن تقريبًا تحت سن 15 عامًا.

تداعيات خطيرة على النساء

تجاهلت التعديلات الأخيرة في العراق حقوق النساء في الحضانة والإرث، وأجازت زواج الأطفال، ما يُعرض آلاف الفتيات للاستغلال والحرمان من التعليم والفرص المستقبلية.

وفي كردستان، ورغم وجود مديريات لمناهضة العنف ضد المرأة، لا تُدرج ملفات زواج القاصرات ضمن أولوياتها، الأمر الذي يكشف عن فجوة خطيرة بين النص القانوني والممارسة المجتمعية.

وتمثل شرعنة زواج القاصرات انتهاكًا لحقوق الطفولة والمرأة، وإهدارًا لالتزامات العراق الدولية، وتكريسًا لثقافة التمييز.

وتطالب منظمات المجتمع المدني، بتوعية المجتمع بمخاطر الزواج المبكر، وفرض رقابة صارمة على رجال الدين الذين يعقدون زيجات خارج المحاكم، وإصدار تشريعات أكثر صرامة لحماية الطفولة ومنع استغلالها.

كما تطالب المنظمات الحقوقية والمدنية بالضغط على البرلمان العراقي، من أجل التراجع عن التعديلات التي تشرعن استغلال الفتيات القاصرات.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية