عام ثقيل بالخسائر.. مخلفات الحرب تحصد أرواح 599 سورياً خلال 2025

عام ثقيل بالخسائر.. مخلفات الحرب تحصد أرواح 599 سورياً خلال 2025
الألغام في سوريا

رغم تراجع حدة المعارك العسكرية في سوريا، لا تزال الحرب تحصد أرواح المدنيين بوجه آخر أكثر خفاء وأشد قسوة، حيث تواصل مخلفات الحرب من ألغام وذخائر غير منفجرة تهديد حياة السوريين في قراهم ومدنهم وحقولهم، لتتحول الأرض نفسها إلى مصدر دائم للخطر، ومنذ مطلع عام 2025، سقط مئات المدنيين ضحايا لانفجارات مفاجئة، في مشهد يعكس أن آثار الحرب لم تنتهِ بانتهاء المعارك، بل ما زالت تلاحق الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان في تقرير له، الخميس، استشهاد 599 مدنيا منذ بداية عام 2025 نتيجة انفجار مخلفات الحرب في مناطق مختلفة من البلاد، شملت مناطق سيطرة الحكومة السورية، ومناطق الإدارة الذاتية، ومناطق سيطرة فصائل الجيش الوطني، وبحسب المرصد، تضم هذه الحصيلة 192 طفلا و41 سيدة، في أرقام تعكس حجم الخطر الذي يهدد الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.

تشير هذه الأرقام إلى أن توقف العمليات العسكرية الكبرى لم يعن نهاية معاناة المدنيين، بل كشف عن وجه آخر للنزاع يتمثل في مخزون هائل من الأجسام المتفجرة التي تركتها سنوات الحرب، وهذه المخلفات تنتشر في الأراضي الزراعية، وعلى أطراف القرى، وداخل الأحياء السكنية، وتنفجر غالبا أثناء ممارسة أنشطة يومية بسيطة، كالرعي أو اللعب أو جمع المحاصيل البرية.

الأطفال والنساء في صدارة الضحايا

تظهر بيانات المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الأطفال كانوا الفئة الأكثر تضررا خلال عام 2025، إذ شكلوا ما يقارب ثلث عدد الضحايا، وكثير من هؤلاء الأطفال لقوا حتفهم أثناء اللعب في محيط منازلهم أو أثناء مرافقة ذويهم إلى الحقول، غير مدركين خطورة الأجسام الغريبة التي تصادفهم. وتكشف هذه الوقائع عن غياب إجراءات الحماية والتوعية الكافية في المناطق المتضررة.

إلى جانب الأطفال، دفعت النساء أيضا ثمنا باهظا لمخلفات الحرب، حيث وثق المرصد استشهاد 41 سيدة خلال العام، وبعض هؤلاء النساء كن يقمن بأعمال زراعية أو منزلية، وأخريات فقدن حياتهن أثناء محاولتهن تأمين مصادر رزق لعائلاتهن، في ظل ظروف اقتصادية صعبة دفعت الكثيرين إلى المخاطرة بحياتهم.

توزع جغرافي يعكس اتساع الخطر

توزعت الخسائر البشرية على مختلف مناطق السيطرة في سوريا، ما يؤكد أن مخلفات الحرب لا تميز بين منطقة وأخرى، ففي مناطق سيطرة الحكومة السورية، وثق المرصد استشهاد 467 شخصا، بينهم 146 طفلا و23 سيدة، من بينهم 8 مدنيين استشهدوا أثناء جمع الكمأة في مناطق ريفية، وهي ظاهرة باتت تتكرر مع تدهور الأوضاع المعيشية.

وفي مناطق الإدارة الذاتية، استشهد 39 مدنيا، بينهم 19 طفلا و4 سيدات، في حين سجلت مناطق سيطرة فصائل الجيش الوطني استشهاد 93 مدنيا، بينهم 27 طفلا و14 سيدة، وتعكس هذه الأرقام امتداد خطر مخلفات الحرب إلى مختلف الجغرافيا السورية دون استثناء.

شهور دامية بلا استثناء

على مدار أشهر عام 2025، لم يخل شهر واحد من سقوط ضحايا بسبب مخلفات الحرب، ففي شهر يناير، سجل استشهاد 118 مدنيا، بينهم 18 طفلا و10 سيدات وفي فبراير، ارتفع العدد إلى 94 ضحية، بينهم 19 طفلا و3 سيدات، مع تسجيل حالات استشهاد أثناء جمع الكمأة.

وفي مارس، وثق المرصد استشهاد 110 مدنيين، بينهم 26 طفلا و9 سيدات، في حين شهد شهر أبريل استشهاد 55 مدنيا، واستمرت الخسائر في مايو مع 52 ضحية، وفي يونيو مع 35 ضحية، ثم 25 ضحية في يوليو، و32 ضحية في أغسطس.

أما في سبتمبر، فقد بلغ عدد الشهداء 23 مدنيا، تلاه أكتوبر بـ15 ضحية، ثم نوفمبر بـ24 ضحية، وصولا إلى ديسمبر الذي سجل استشهاد 16 مدنيا، بينهم 10 أطفال وسيدة واحدة، ويكشف هذا التسلسل الزمني أن خطر مخلفات الحرب لم يتراجع مع مرور الوقت، بل ظل حاضرا طوال العام.

الفقر يدفع نحو الخطر

يربط ناشطون وحقوقيون بين ارتفاع عدد ضحايا مخلفات الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، حيث يضطر الكثير من المدنيين إلى دخول مناطق خطرة بحثا عن مصادر رزق، مثل جمع الكمأة أو العمل في أراض مهجورة، وفي ظل غياب بدائل آمنة، تتحول هذه الأنشطة إلى مغامرات قاتلة، خاصة في مناطق لم تخضع لعمليات تمشيط أو إزالة مخلفات الحرب.

حاجة ملحة لإجراءات عاجلة

يؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن هذه الحصيلة الدامية تعكس حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة وشاملة لحماية المدنيين، وتشمل هذه الإجراءات تسريع برامج إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، وتوسيع نطاقها لتشمل جميع المناطق المتضررة دون استثناء، مع استخدام تقنيات وآليات آمنة تقلل من المخاطر على الفرق العاملة.

كما يشدد المرصد على ضرورة تعزيز التدابير الوقائية في المناطق السكنية والزراعية، ووضع خطط واضحة للحد من المخاطر، إضافة إلى تزويد المجتمعات المحلية بالتدريب والمعدات الأساسية للتعامل مع الأجسام المشبوهة.

التوعية خط الدفاع الأول

إلى جانب الجهود التقنية، تبرز أهمية التوعية المجتمعية خط دفاع أول في مواجهة مخلفات الحرب، فإطلاق حملات توعية مستمرة، وإشراك المدارس والمنظمات المحلية في برامج تثقيفية، يمكن أن يسهم في تقليل عدد الضحايا، خاصة بين الأطفال والشباب.

خلفت سنوات النزاع السوري منذ عام 2011 كميات هائلة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، نتيجة العمليات العسكرية المكثفة وتعدد أطراف الصراع، ومع تراجع حدة المعارك في مناطق عدة، برز خطر مخلفات الحرب كونه أحد أخطر التحديات الإنسانية، حيث تحول إلى سبب رئيسي للوفيات والإصابات بين المدنيين، وتواجه جهود إزالة هذه المخلفات عقبات عدة، من بينها نقص التمويل، وتعقيد الأوضاع الأمنية، وتداخل مناطق السيطرة، وفي ظل غياب حل سياسي شامل، تبقى حماية المدنيين من مخاطر الحرب المتبقية أولوية إنسانية ملحة، تتطلب تعاونا دوليا ومحليا طويل الأمد، يضع حياة الإنسان وكرامته في صدارة الاهتمام.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية