قتل وتجويع.. تقرير حقوقي يحذر من مخاطر تهدد حياة المدنيين في شرق الكونغو

قتل وتجويع.. تقرير حقوقي يحذر من مخاطر تهدد حياة المدنيين في شرق الكونغو
نازحون جراء العنف في الكونغو الديموقراطية

كشف تقرير حقوقي رسمي صدر أخيرا عن فصول مأساوية جديدة لمعاناة الأطفال في جمهورية الكونغو الديموقراطية وسط نزاع مسلح متصاعد، حيث تتحول المخيمات والمستشفيات والمدارس إلى ساحات انتهاك، وتغدو الطفولة نفسها هدفا مباشرا للعنف المنهجي، واضعا المجتمع الدولي أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية ملحة.

وبحسب ما صرحت به المحامية جيزيل كابينجا، المفوضة الوطنية المكلفة بحقوق المرأة والطفل في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، في حوار مع وكالة الأنباء الكونغولية نشر السبت، فإن نتائج التقرير الذي أعدته اللجنة تكشف عن انتهاكات خطرة وممنهجة تورطت فيها حركة 23 مارس المتمردة، لا سيما في أقاليم شمال كيفو وجنوب كيفو وإيتوري.

تصعيد عسكري

تشير اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إلى أن بداية عام 2025 شهدت تصعيدا عسكريا غير مسبوق في شرقي البلاد، حيث تمكنت حركة 23 مارس من السيطرة على مدينتي جوما وبوكافو، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتهاكات بحق المدنيين، وكان الأطفال في مقدمة الفئات المتضررة، ومع توسع رقعة القتال، بدأت تتوالى التقارير عن عمليات قتل وتشويه واختطاف طالت مئات الأطفال في مناطق مختلفة.

وأكدت جيزيل كابينجا أن الانتهاكات لم تقتصر على مخيمات النازحين، بل امتدت إلى القرى والأحياء السكنية، ما يعكس نمطا واسعا من العنف لا يمكن اعتباره حوادث معزولة أو أفعالا فردية، بل سياسة ممنهجة تستهدف تقويض أبسط حقوق الأطفال.

على خلفية هذا التصعيد، باشرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في الكونغو تحقيقات ميدانية موسعة شملت شهادات ضحايا وأسرهم، وزيارات إلى مناطق متضررة، وجمع بيانات من مصادر محلية ودولية، وأسفرت هذه الجهود عن إصدار تقرير رسمي في 31 ديسمبر في العاصمة كينشاسا، حمل عنوان تقرير حول الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الأطفال المرتكبة في أقاليم شمال كيفو وجنوب كيفو وإيتوري خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2025.

ويوثق التقرير مئات الحالات التي تعرض فيها الأطفال للقتل أو التشويه الجسدي، إضافة إلى انتهاكات أخرى طالت حقهم في الحياة والأمان والتعليم والرعاية الصحية.

قصف ومقتل رضع

من بين أخطر الوقائع التي وثقها التقرير، الهجوم الذي نفذته حركة 23 مارس في 27 يناير 2025 على مستشفى لا شاريتي في مدينة جوما، وبحسب التقرير، استهدف القصف قسم حديثي الولادة، ما أدى إلى مقتل 11 رضيعا وإصابة 8 أطفال آخرين بجروح خطرة، واعتبرت اللجنة هذا الهجوم انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المنشآت الطبية ويشدد على حماية الأطفال في النزاعات المسلحة.

وسجل التقرير حالات عديدة لتجنيد الأطفال قسرا في صفوف الجماعات المسلحة، حيث يتم استغلالهم في القتال أو في مهام لوجستية خطرة، في انتهاك واضح للاتفاقيات الدولية التي تحظر إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، كما وثق التقرير حالات اختطاف واسعة، استخدمت في بعض الأحيان لابتزاز العائلات أو لإجبار الأطفال على الانضمام إلى الجماعات المسلحة.

لم تقتصر الانتهاكات على العنف المباشر، بل شملت أيضا فرض حصار على وصول المساعدات الغذائية إلى المناطق التي تسيطر عليها حركة 23 مارس، ما أدى إلى تفشي المجاعة على نطاق واسع، وأشار التقرير إلى أن الأطفال كانوا الأكثر تضررا من هذا الحصار، حيث سجلت حالات سوء تغذية حاد، وحرمان من الغذاء الأساسي، في ظل انهيار شبه كامل لشبكات الدعم الإنساني.

الجريمة والأمن المفقود

وتحدث التقرير عن ارتفاع معدلات الجريمة بين الأحداث، في سياق بيئة يغيب فيها القانون وتنهار فيها مؤسسات الدولة، كما وثق حملات اعتقال جماعية ومنهجية استهدفت أطفال الشوارع، حيث يتم احتجازهم في ظروف غير إنسانية، دون أي ضمانات قانونية أو رعاية اجتماعية.

وسلط التقرير الضوء على انتهاكات جسيمة للحق في التعليم، إذ حرم آلاف الأطفال من الالتحاق بالمدارس نتيجة القتال وإغلاق المؤسسات التعليمية أو تدميرها، كما أشار إلى انتهاك الحق في العدالة، بسبب تعطل الجهاز القضائي في العديد من المناطق، واستبداله بآليات وساطة غير رسمية لا تحترم المعايير القانونية ولا توفر حماية حقيقية للأطفال.

تفكك الأسر وضياع الطفولة

كما وثق التقرير انتهاكات للحق في الحياة الأسرية، حيث انفصل آلاف الأطفال عن عائلاتهم أثناء فرارهم من مناطق النزاع، ليجدوا أنفسهم عرضة للاستغلال والعنف والإهمال، وأكدت اللجنة أن غياب برامج فعالة لإعادة لم شمل الأسر يزيد من هشاشة هؤلاء الأطفال ويعرضهم لمخاطر مستمرة.

يأتي هذا التقرير في سياق نزاع طويل الأمد في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تنشط عشرات الجماعات المسلحة منذ سنوات، وسط ضعف مؤسسات الدولة وتداخل المصالح الإقليمية، وتعد حركة 23 مارس واحدة من أبرز هذه الجماعات، وقد عادت إلى الواجهة بقوة خلال عامي 2024 و2025، مستغلة هشاشة الوضع الأمني.

وعلى مدار السنوات الماضية، حذرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان من أن الأطفال في شرق الكونغو يدفعون ثمنا باهظا للنزاع، سواء عبر القتل أو التجنيد القسري أو الحرمان من التعليم والرعاية الصحية، ويؤكد التقرير الأخير للجنة الوطنية لحقوق الإنسان أن حماية الأطفال لم تعد مسألة إنسانية فحسب، بل اختبار حقيقي لالتزام المجتمع الدولي بالقانون الدولي وبمستقبل جيل كامل مهدد بالضياع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية