حين تُغلق أبواب الإغاثة.. أطباء بلا حدود تحذر من توقف عملها في غزة
حين تُغلق أبواب الإغاثة.. أطباء بلا حدود تحذر من توقف عملها في غزة
تواجه المنظومة الإنسانية في قطاع غزة منعطفا بالغ الخطورة مع إعلان منظمة أطباء بلا حدود احتمال إنهاء أعمالها الطبية والإنسانية خلال شهر مارس المقبل، في حال لم تتراجع السلطات الإسرائيلية عن قرار حظر أنشطتها إلى جانب 36 منظمة دولية أخرى، لافتة إلى أن الحظر يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الطبية والإغاثية في ظل حرب مدمرة وحصار خانق.
وبحسب ما أوردته شبكة قدس الإخبارية الأحد، فإن سلطات إسرائيل أكدت مُضيها في تنفيذ قرار الحظر بحق 37 منظمة إنسانية دولية كبرى عاملة في قطاع غزة، بدعوى عدم تزويدها بقوائم أسماء الموظفين الفلسطينيين وفق تشريع جديد، وقد وصفت منظمة أطباء بلا حدود هذا القرار بأنه انتهاك خطير للعمل الإنساني وتجاوز غير مسبوق للمعايير الدولية التي تحكم عمل المنظمات المستقلة في مناطق النزاع.
تصعيد إداري يهدد العمل الطبي
قرار الحظر يستند إلى تشريع إسرائيلي جديد يفرض على المنظمات الإنسانية والإغاثية الدولية تسجيل أسماء العاملين لديها والحصول على موافقات أمنية محدثة، وأوضحت رئيسة منظمة أطباء بلا حدود إيزابيل دوفورني أن المنظمة كانت تعمل وفق آليات تسجيل سابقة انتهت صلاحيتها في ديسمبر 2025، دون أن يتم توفير بديل عملي يضمن استمرار العمل الطبي دون عراقيل.
وترى المنظمة أن هذه الإجراءات لا تندرج ضمن متطلبات تنظيمية طبيعية، بل تشكل أداة ضغط سياسي تهدف إلى تقويض وجود المنظمات التي توثق الواقع الإنساني وتعمل على نقل صورة ما يجري في غزة إلى العالم الخارجي.
شبكة إنقاذ واسعة مهددة بالتوقف
تعد منظمة أطباء بلا حدود واحدة من أكبر مقدمي الخدمات الطبية في قطاع غزة، إذ يعمل معها نحو 40 موظفا دوليا، إلى جانب تعاونها مع ما يقارب 800 موظف فلسطيني موزعين على 8 مستشفيات ومراكز طبية، وتشمل أنشطتها تقديم الرعاية الطارئة، والجراحات، وخدمات الأمومة، وعلاج الحروق والإصابات الناتجة عن القصف المستمر.
وخلال عام 2025 عالجت فرق المنظمة أكثر من 100000 مصاب بجروح متفاوتة الخطورة، كما جاءت في المرتبة الثانية من حيث عدد الولادات التي أشرفت عليها داخل القطاع، إضافة إلى كونها ثاني أكبر موزع للمياه الصالحة للاستخدام في غزة، في وقت تعاني فيه البنية التحتية من انهيار شبه كامل.
وتؤكد المنظمة أن توقف هذه الأنشطة سيترك فراغا يصعب تعويضه، في ظل تدمير المستشفيات ونقص الكوادر الطبية والأدوية، وقيود الاحتلال المفروضة على دخول المساعدات.
الإنسانية في مواجهة السياسة
ترى أطباء بلا حدود أن الدافع الحقيقي وراء قرار الحظر يتمثل في سعي إسرائيل إلى إسكات الشهود على ما يتعرض له المدنيون في غزة من انتهاك للحقوق، فوجود المنظمات الدولية، بحسب المنظمة، لا يقتصر على تقديم الخدمات، بل يشكل أيضا نافذة توثيق مستقلة لما يحدث على الأرض.
وتشير المنظمة إلى أن الصحفيين الدوليين لم يُسمح لهم بدخول قطاع غزة منذ بداية الحرب، بينما يتعرض الصحفيون المحليون للاستهداف المباشر، ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم، وفي هذا السياق، يصبح دور الطواقم الإنسانية في نقل الشهادات والوقائع أكثر حساسية، وهو ما يجعلها عرضة للضغوط والإقصاء.
خسائر بشرية في صفوف الإغاثة
منذ أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 500 عامل في المجال الإنساني في غارات إسرائيلية على قطاع غزة، بينهم 15 من أعضاء منظمة أطباء بلا حدود، وتصف المنظمة هذه الأرقام بأنها غير مسبوقة في تاريخ العمل الإنساني الحديث، وتعكس مستوى المخاطر التي يواجهها العاملون في القطاع الطبي والإغاثي.
وتؤكد المنظمة أن استهداف العاملين الإنسانيين، سواء بشكل مباشر أو عبر سياسات الحظر والتقييد، يفاقم من معاناة المدنيين ويقوض المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية الطواقم الطبية وضمان وصول المساعدات دون عوائق.
تداعيات محتملة على المدنيين
يحذر خبراء في الشأن الإنساني من أن تنفيذ قرار الحظر سيؤدي إلى تدهور سريع في الأوضاع الصحية والمعيشية داخل قطاع غزة، فالمستشفيات التي لا تزال تعمل تعتمد بشكل كبير على دعم المنظمات الدولية لتأمين الأدوية والمستلزمات والكوادر المتخصصة، ويزداد القلق من سيناريو توقف مفاجئ للخدمات، ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين الجرحى والمرضى، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل استمرار العمليات العسكرية ونقص الإمدادات الأساسية.
نداءات دولية بلا استجابة
رغم الانتقادات الواسعة التي أثارتها قرارات الحظر، لم تُظهر سلطات إسرائيل أي مؤشرات على التراجع، وتطالب منظمات حقوقية دولية بضرورة تدخل المجتمع الدولي للضغط من أجل ضمان استمرار عمل المنظمات الإنسانية، واحترام التزامات الاحتلال بموجب القانون الدولي.
وترى هذه المنظمات أن السماح بانهيار منظومة الإغاثة في غزة سيشكل سابقة خطيرة، تفتح الباب أمام تسييس العمل الإنساني في نزاعات أخرى، وتقوض الثقة في قدرة النظام الدولي على حماية المدنيين في أوقات الحرب.
تعمل منظمة أطباء بلا حدود منذ عقود في مناطق النزاع حول العالم، وتلتزم بمبادئ الحياد والاستقلال وعدم الانحياز، وتعد من أبرز الجهات الطبية التي تقدم الرعاية في البيئات الأكثر خطورة، وفي قطاع غزة، اضطلعت المنظمة بدور محوري منذ تصاعد الحرب في أكتوبر 2023، حيث ساهمت في سد فجوات هائلة خلفها تدمير المستشفيات والحصار المشدد، وتفرض إسرائيل سيطرة صارمة على دخول المساعدات والأفراد إلى القطاع، ما يجعل عمل المنظمات الدولية مرهونا بموافقات أمنية معقدة، ويأتي قرار حظر 37 منظمة إنسانية في سياق تصعيد أوسع شمل تقييد الإعلام واستهداف البنية الصحية، وسط تحذيرات أممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وفي ظل غياب أفق سياسي واحتدام العمليات العسكرية، يبقى المدنيون في غزة الطرف الأكثر تضررا من أي قرار يحد من وصول الإغاثة ويقوض العمل الطبي المنقذ للحياة.











