فقد أبناءه وبقي في أرضه.. مختار الصمدانية يروي حكاية صمود من الجولان السوري
فقد أبناءه وبقي في أرضه.. مختار الصمدانية يروي حكاية صمود من الجولان السوري
رغم فقدانه 7 من أبنائه داخل سجون النظام السوري المخلوع، لا يزال خليل العبدالله، مختار قرية الصمدانية في محافظة القنيطرة جنوب غربي سوريا، متمسكاً بأرضه رافضاً مغادرتها، في وقت تتعرض فيه المنطقة لانتهاكات إسرائيلية متكررة وضغوط أمنية ومعيشية متصاعدة، وتختزل قصة الرجل عقوداً من الألم والخسارة، لكنها في الوقت نفسه تعكس معنى الصمود لدى سكان القرى الحدودية في الجولان السوري.
وفي حديث نشرته وكالة أنباء الأناضول الثلاثاء، روى العبد الله شهادته عن سنوات القمع التي عاشها، وعن الحاضر القاسي الذي تعيشه قريته، مؤكداً أن البقاء في الأرض خيار وجودي لا تحكمه الحسابات السياسية بقدر ما تحكمه الكرامة والهوية والانتماء.
حياة تحت الضغط الميداني
تشهد القرى الحدودية في محافظة القنيطرة أوضاعاً ميدانية شديدة التعقيد، إذ تتوغل القوات الإسرائيلية فيها بوتيرة شبه يومية، خاصة في ريف القنيطرة، حيث تنفذ عمليات دهم واعتقال بحق المدنيين، وتقيم حواجز تفتيش مؤقتة، وتحقق مع السكان، إضافة إلى تدمير مزروعات ومصادر رزق يعتمد عليها الأهالي بشكل أساسي.
ويقول سكان محليون إن هذه الانتهاكات المستمرة تزرع الخوف في نفوس العائلات، وتعيد إلى الأذهان مشاهد التهجير القسري التي عرفتها المنطقة في مراحل سابقة، إلا أن كثيرين، ومنهم مختار الصمدانية، يصرون على البقاء رغم كل المخاطر.
الأرض هي الهوية والكرامة
يؤكد خليل العبدالله الذي عايش عقوداً من القمع والاعتقال في ظل النظام المخلوع أن فقدانه لأبنائه وأقاربه لم يدفعه إلى التفكير في الرحيل، بل عزز لديه القناعة بأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هوية متجذرة وامتداد للتاريخ وكرامة لا تقبل المساومة.
ويشير إلى أن قريته تعد جزءاً أصيلاً من الجولان السوري، وأن عائلته تعيش في هذه المنطقة منذ أجيال طويلة، مضيفاً أن النزوح لم يكن يوماً خياراً مطروحاً مهما اشتدت الظروف أو تعاظمت الأخطار.
يستحضر العبدالله تاريخ الجولان منذ احتلال عام 1967، مشيراً إلى أن قرى مثل عين حور تعرضت للاحتلال الكامل، ما أجبر سكانها على النزوح القسري إلى قرى مجاورة، منها الصمدانية، حيث استقرت عائلته وبقيت متمسكة بالأرض رغم تغير الظروف السياسية والعسكرية.
ويقول إن تلك التجارب المبكرة زرعت لدى سكان المنطقة وعياً عميقاً بمعنى الأرض، وجعلت فكرة التخلي عنها أمراً مستحيلاً مهما كان الثمن.
سنوات القمع في ظل النظام المخلوع
في حديثه عن حقبة نظام الأسد المخلوع، يصف العبد الله ما عاشه الشعب السوري بأنه قمع ممنهج طال كل مفاصل الحياة، مؤكداً أن الجيش الذي كان يفترض به حماية المواطنين تحول إلى أداة قمع واعتقال.
ويضيف أن التمييز الطائفي والاعتقالات التعسفية والتعذيب أصبحت ممارسات يومية منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في درعا عام 2011، معتبراً أن ما جرى لم يكن أحداثاً عابرة بل سياسة منظمة هدفت إلى إخضاع المجتمع بالقوة وكسر أي صوت معارض.
يستذكر المختار تلك المرحلة بوصفها جرحاً مفتوحاً لم يندمل، مؤكداً أن آثارها لا تزال حاضرة في ذاكرة العائلات التي فقدت أبناءها تحت التعذيب أو داخل المعتقلات، وأن العدالة الغائبة تزيد من عمق الألم.
ويقول إن المجتمع السوري بأكمله دفع ثمناً باهظاً، وإن قصته ليست استثناءً بل واحدة من آلاف القصص المشابهة التي لم تحظَ بالإنصاف حتى اليوم.
7 أبناء خلف القضبان
أكثر اللحظات إيلاماً في حياة العبد الله تعود إلى 20 سبتمبر 2014، عندما داهمت قوات النظام منزله واعتقلته مع 7 من أبنائه، إضافة إلى شقيقه و2 من أبناء إخوته، يروي هذه اللحظة بصوت مثقل بالحزن، مؤكداً أن العائلة اقتيدت إلى أحد فروع الأمن حيث تعرضوا لتعذيب قاسٍ.
ويشير إلى أن أصغر أبنائه كان يبلغ 18 عاماً، وهو طالب في السنة الأولى بكلية الحقوق، وقد توفي بين يديه في 17 أكتوبر 2014 نتيجة التعذيب، دون أن يتلقى أي علاج أو حتى ملابس تقيه البرد، ويقول إن ما تعرض له أبناؤه لا يمكن وصفه بالكلمات.
رغم سقوط النظام لاحقاً، يؤكد العبدالله أن الجراح لم تلتئم، وأن التحديات لم تنتهِ، خاصة مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الواقعة في الجولان السوري، ويضيف أن الغارات الجوية الإسرائيلية، رغم عدم وجود تهديد مباشر من الجانب السوري، أدت إلى مقتل مدنيين وتدمير مواقع وآليات عسكرية، ما زاد من هشاشة الوضع الأمني.
ويرى سكان المنطقة أن هذه الانتهاكات تعرقل أي محاولة لاستعادة الاستقرار، وتحد من قدرة الحكومة على جذب الاستثمارات وتحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي.
نحن باقون هنا
يقول العبدالله بحزم إن قرار البقاء كان جماعياً، بعد مشاورات مع مختاري القرى المجاورة، مضيفاً أن السكان قرروا عدم مغادرة بيوتهم مهما كانت الضغوط، ويضيف أن الإنسان يموت في أرضه، وأن الرحيل لا يعني النجاة بقدر ما يعني خسارة الكرامة.
ويعترف بأن التوغلات الإسرائيلية وعمليات التفتيش والاستجواب تثير الخوف بين السكان، لكنه يؤكد أن الاستسلام أو الرحيل ليسا خيارين مطروحين.
الأرض والسلام
يختم العبدالله حديثه بتأكيد أن أي سلام حقيقي بين دمشق وتل أبيب لا يمكن أن يتحقق دون إعادة الحقوق إلى أصحابها، مشدداً على أن الأرض لا تباع ولا تنسى، وأنه لا أحد يملك حق التنازل عنها، معتبراً أن السلام يبدأ حين تعود الأرض لأهلها.
تأتي هذه الشهادة في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات سياسية لافتة، إذ كشف مصدر حكومي سوري يوم الاثنين عن انطلاق جولة مفاوضات جديدة مع إسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، بوساطة الولايات المتحدة، تركز على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ومنذ عام 1967 تحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت أحداث الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024 لتعلن انهيار اتفاقية فض الاشتباك وتحتل المنطقة السورية العازلة.
وأفادت وكالة سانا الرسمية بأن وفداً سورياً برئاسة وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة يشارك في المفاوضات، مؤكدة أن استئنافها يأتي تأكيداً لالتزام سوريا باستعادة حقوقها الوطنية غير القابلة للتفاوض. في المقابل، ادعت متحدثة الحكومة الإسرائيلية شوش بيدروسيان أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبدى اهتماماً بإقامة حدود سلمية مع سوريا.










