الجنوب السوري تحت النار.. توغلات إسرائيلية متصاعدة وصمت رسمي يفاقم معاناة المدنيين

الجنوب السوري تحت النار.. توغلات إسرائيلية متصاعدة وصمت رسمي يفاقم معاناة المدنيين
قوات إسرائيلية

يشهد الجنوب السوري منذ مطلع يناير الجاري تصعيدا ميدانيا خطيرا يعكس واقعا متدهورا للأمن والسيادة، في ظل توغلات إسرائيلية متكررة داخل محافظتي درعا والقنيطرة، حوّلت القرى والبلدات الحدودية إلى مسرح مفتوح للتحركات العسكرية والرسائل القسرية الموجهة للسكان، وهذا التصعيد، الذي يتسارع بوتيرة مقلقة، لا يقتصر على اختراق الحدود فحسب، بل يمتد ليطول حياة المدنيين بشكل مباشر عبر إطلاق النار، والاعتقالات، وتفجير منشآت مدنية، وفرض واقع ميداني جديد بالقوة.

وبحسب ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي وثّق هذه التطورات ميدانيا في تقرير نشر اليوم الثلاثاء، فإن القوات الإسرائيلية نفذت أكثر من 21 توغلا بريا منذ بداية العام الجاري، في مؤشر على تحول الجنوب السوري إلى منطقة اختبار أمني وعسكري مفتوح، وسط غياب أي ردع فعلي أو تحرك واضح من قبل الحكومة السورية الانتقالية أو القوات العسكرية المنتشرة في المنطقة.

تصعيد بلا رد

لم يعد المشهد في درعا والقنيطرة مقتصرا على تحركات آليات عسكرية عابرة، بل بات يشمل ممارسات ذات طابع عدائي مباشر، من تفجير منشآت مدنية مدمرة أصلا، إلى رفع الأعلام الإسرائيلية فوق تلال استراتيجية داخل الأراضي السورية، مرورا بعمليات دهم وتفتيش واعتقال طالت مدنيين، في ظل صمت رسمي وصفه المرصد بالمطبق، ما يثير تساؤلات عميقة حول القدرة أو الإرادة في حماية السكان والسيادة الوطنية.

ويؤكد سكان محليون أن هذه التحركات المتكررة خلقت حالة دائمة من الخوف والترقب، حيث باتت أصوات الانفجارات وإطلاق النار جزءا من الحياة اليومية، فيما يعيش الأهالي على وقع تحذيرات عبر مكبرات الصوت تطالبهم بالابتعاد عن أراضيهم ومصادر رزقهم.

نار على المدنيين

في أول أيام العام، أقدمت قوة إسرائيلية على إطلاق النار بشكل مباشر باتجاه مجموعة من المدنيين أثناء جمعهم الفطر في الأراضي الزراعية قرب قرية الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي، المحاذي لخط الفصل مع الجولان السوري المحتل، وفي المنطقة ذاتها، تعرض رعاة أغنام لإطلاق نار من أسلحة رشاشة أثناء محاولتهم تأمين احتياجات مواشيهم، ما تسبب بحالة من الذعر الشديد، دون ورود معلومات مؤكدة عن وقوع إصابات.

في اليوم التالي، رصد المرصد توغلا بريا نفذته دورية إسرائيلية مؤلفة من 3 آليات عسكرية في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، حيث اجتازت الحدود وتقدمت باتجاه سرية جملة، وتزامن ذلك مع تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء المحافظة، ما رفع منسوب التوتر في القرى القريبة من الشريط الحدودي.

وشهد اليوم الثالث توغلا واسعا في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث دخلت 8 آليات عسكرية إسرائيلية إلى قرية بريقة، بينها عربات مدرعة وسيارات دفع رباعي، وانقسمت القوة داخل القرية باتجاه بريقة القديمة، دون تسجيل اعتقالات، لكنها كرّست حضورا عسكريا واضحا داخل التجمعات السكنية، وفي ساعات الفجر نفّذت قوة أخرى توغلا عبر معبر أبو رجم غرب قرية عين القاضي، وفتشت منزلا قبل انسحابها.

وسجلت انفجارات متتالية في أرجاء القنيطرة في اليوم الرابع، تبين أنها ناجمة عن إطلاق قنابل مضيئة في سماء تل أحمر شرقي، بالتزامن مع تحركات عسكرية خلف خط فض الاشتباك، وهذه القنابل، رغم عدم استهدافها المباشر، حملت رسائل ترهيب واضحة للسكان القاطنين في محيط المنطقة.

إطلاق نار وتفجير مشفى

وفي اليوم السادس توغلت دورية إسرائيلية من سيارتين عسكريتين غرب بلدة الرفيد، ترافق ذلك مع تحليق طيران مسير. 

وفي تطور بالغ الخطورة، أقدمت القوات الإسرائيلية على تفجير ما تبقى من بناء مشفى الجولان في مدينة القنيطرة المدمرة منذ سبعينيات القرن الماضي، بعد زراعة عبوات شديدة الانفجار داخل الركام، ما أدى إلى تدمير إضافي لواحد من أبرز المعالم المدنية في المنطقة.

كما شهد يوما السابع والثامن من يناير عدة توغلات متزامنة، أبرزها رفع العلم الإسرائيلي فوق تل الأحمر الشرقي، في خطوة اعتبرها الأهالي تصعيدا رمزيا وميدانيا خطيرا. كما نفذت القوات الإسرائيلية عملية توغل بعد منتصف الليل عند مفرق عين البيضة، نصبت خلالها حاجزا واعتقلت 4 شبان مدنيين بعد تفتيش المارة وإغلاق الطرق.

ودخلت دوريات إسرائيلية قرى بريقة وبئر عجم وكودنة وصولا إلى قاعدة تل الأحمر الغربي، حيث كان العلم الإسرائيلي مرفوعا بشكل واضح، كما توغلت دورية أخرى بين قريتي جملة وصيصون في حوض اليرموك، وأطلقت قنابل مضيئة باتجاه ريف درعا، مع تسجيل إطلاق نار من قاعدة تل الأحمر.

قوات أممية وتحركات جديدة

وفي يوم التاسع بدأت قوات مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة UNDOF بالانتشار في ريف القنيطرة الشمالي، في محاولة للحد من التوغلات، إلا أن ذلك لم يمنع  آليات إسرائيلية من التوغل في قرى صيدا وجباتا الخشب، حيث أقيمت حواجز مؤقتة، وفي اليوم ذاته، أنهت وحدة عسكرية إسرائيلية تدريبات لها على قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، في مشهد أثار استياء واسعا.

كما توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من 7 آليات في اليوم العاشر إلى قرية عين العبد بريف القنيطرة الأوسط، ونفذت حملة مداهمات وتفتيش طالت منازل مدنيين، ما أدى إلى حالة من الهلع، وبعد ساعات، زار وفد من الأمم المتحدة القنيطرة برفقة سفير سوريا لدى المنظمة، للاطلاع على الأوضاع الأمنية والإنسانية.

استمرار الضغط

تكررت التوغلات العسكرية الإسرائيلية في يومي 11 و12 يناير في قرى رويحينة وأم العظام وكودنة والمشيرفة، مع نصب حواجز مؤقتة وتنفيذ مداهمات واعتقال شاب أفرج عنه لاحقا، كما قامت آليات إسرائيلية مدعومة بجرافات بتجريف أراض زراعية قرب كودنة، وتثبيت سواتر ترابية، في مؤشر على نوايا فرض واقع ميداني جديد.

يستنكر المرصد السوري لحقوق الإنسان الصمت الرسمي إزاء هذه التطورات، معتبرا أن غياب أي رد أو تحرك عسكري يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات، ويحذر من أن هذا الواقع يشجع على استباحة الجنوب السوري، مطالبا المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف التوغلات وضمان الإفراج عن المدنيين المعتقلين.

يخضع الشريط الحدودي في محافظتي درعا والقنيطرة منذ عام 1974 لاتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، والذي أفضى إلى إنشاء منطقة عازلة تشرف عليها قوات الأمم المتحدة، غير أن السنوات الأخيرة وخاصة بعد سقوط النظام السوري بقيادة بشار الأسد شهدت تراجعا في فعالية هذا الاتفاق، مع تزايد الخروقات العسكرية الإسرائيلية، ويأتي التصعيد الحالي في سياق إقليمي معقد، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع غياب الاستقرار الداخلي، ما يجعل المدنيين في الجنوب السوري الحلقة الأضعف في معادلة مفتوحة على احتمالات خطيرة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية