إضراب بلا عمل ولا تسوق.. حملة ICE تدفع مينيسوتا إلى العصيان الاقتصادي

بعد تنفيذ نحو 3000 عملية اعتقال

إضراب بلا عمل ولا تسوق.. حملة ICE تدفع مينيسوتا إلى العصيان الاقتصادي
تصاعد المواجهة بين المجتمع المحلي وإدارة الهجرة

يكشف مشهد الإغلاق الواسع لمئات المتاجر وتوقف آلاف العمال عن العمل في ولاية مينيسوتا الأمريكية عن تصاعد غير مسبوق في المواجهة بين المجتمع المحلي وإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، في لحظة تتقاطع فيها سياسات إنفاذ الهجرة مع أسئلة جوهرية تتعلق بالحق في الأمان، والكرامة الإنسانية، وحماية الأطفال، وعدم استخدام العقاب الجماعي أداة للردع.

وينقل تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" أن مئات الشركات أعلنت إغلاق أبوابها أمس الجمعة، في إطار إضراب اقتصادي شامل حمل شعار "لا عمل، لا تسوق، لا مطاعم"، احتجاجًا على الحملة الفيدرالية للهجرة التي خلقت، بحسب منظمي الاحتجاج، مناخًا من الخوف والترهيب داخل المجتمعات المحلية.

ويصف الأسقف دواين رويستر، المدير التنفيذي لمنظمة "الإيمان في العمل"، الوضع في مينيسوتا بأنه "متوتر وعاطفي"، مؤكدًا أن السكان يعانون من آثار مباشرة لحملة الاعتقالات، ويضيف أن الولاية تشهد "صمودًا عميقًا واستعدادًا للتكاتف" لم يشهده منذ سنوات، في إشارة إلى تحوّل الغضب الاجتماعي إلى فعل جماعي منظم.

يأتي هذا الحراك في سياق تصاعدي أعقب تنفيذ نحو 3000 عملية اعتقال منذ أواخر العام الماضي، فضلًا عن حوادث عنف، منها إطلاق نار مميت في مينيابوليس، ما عمّق الشعور بأن إنفاذ قوانين الهجرة بات يتم على حساب الأمن المجتمعي والحقوق الأساسية.

يؤطر هذا المشهد نفسه بوصفه فعل مقاومة اقتصادية ذات بعد حقوقي، إذ يؤكد جيك أندرسون، عضو المجلس التنفيذي لاتحاد معلمي سانت بول، أن الدعوة للإضراب انتشرت "كالنار في الهشيم".

ويشير تقرير "نيويورك تايمز" إلى أن الإضراب لم يقتصر على إغلاق المتاجر، بل شمل الامتناع عن الذهاب إلى العمل أو المدرسة، والصيام، والمشاركة في تجمعات دينية واحتجاجية، في حين أطلق عليه المنظمون "يوم الحقيقة والحرية".

الضغط الأخلاقي

تضع المشاركة الواسعة لأصحاب الأعمال الصغيرة هذا التحرك في إطار أخلاقي يتجاوز الحسابات الربحية، وتقول أليسون كيروين، مالكة مطعم "آلز بريكفاست" في مينيابوليس، إنها أغلقت مطعمها رغم الخسائر المتوقعة، مؤكدة أن "الدفاع عن الحقوق في هذا التوقيت يستحق الثمن".

وفي المقابل يبرز التقرير أن بعض أصحاب الأعمال لم يتمكنوا من المشاركة بسبب عدم قدرتهم على تحمل خسارة يوم كامل من الإيرادات، ما يعكس الانقسام الذي تفرضه السياسات الفيدرالية حتى داخل القطاع الاقتصادي نفسه.

وترفض الإدارة الفيدرالية توصيف هذه التحركات بوصفها احتجاجًا مشروعًا، إذ نقلت الصحيفة عن مسؤول في وزارة الأمن الداخلي وصفه الإضراب بأنه "جنوني للغاية"، متسائلًا عن سبب رفض المحتجين "إبعاد من يمثلون تهديدًا للأمن العام".

وفي السياق نفسه، قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن الإدارة تسعى إلى "تهدئة الأوضاع"، واعتبر أن المتظاهرين "محرضون من أقصى اليسار"، محمّلًا المسؤولين المحليين مسؤولية تفاقم الأزمة، وهو خطاب يعكس، وفق القراءة الحقوقية، نزعة لتجريم الاحتجاج بدل معالجة أسبابه.

وتتجاهل أكبر الشركات في الولاية، بحسب الصحيفة الأمريكية، اتخاذ موقف علني من الحملة، إذ لم تُدلِ أي من كبرى 15 جهة توظيف في مينيسوتا، ومنها شركات مدرجة ضمن قائمة "فورتشن 500"، بتصريحات واضحة، ما يسلط الضوء على فجوة بين الحراك الشعبي والمواقف المؤسسية.

الطفل راموس

يفتح احتجاز طفل إكوادوري يبلغ من العمر خمس سنوات مع والده، فصلًا أكثر قتامة في هذا المشهد، حيث تنقل وكالة أسوشيتد برس روايات متضاربة حول ظروف الواقعة التي تحولت إلى رمز لانتهاك حقوق الطفل في سياق إنفاذ الهجرة.

ويؤكد مسؤولو مدرسة كولومبيا هايتس العامة أن عناصر الهجرة استخدموا الطفل "طُعماً" عبر مطالبته بطرق باب المنزل، في حين تنفي وزارة الأمن الداخلي هذه الرواية وتصفها بـ"الكذب الصريح".

تُبرز الصورة المتداولة للطفل وهو يحمل حقيبة مدرسية عليها صورة “سبايدرمان” البعد الإنساني للقضية، إذ تساءلت زينا ستينفيك، مديرة مدارس كولومبيا هايتس، عن منطق احتجاز طفل في هذا العمر، مؤكدة أنه لا يمكن تصنيفه "مجرمًا عنيفًا".

وتشير الوكالة إلى أن بالغين في الموقع، بينهم جيران وأعضاء في مجلس إدارة المدرسة، عرضوا رعاية الطفل، لكن عناصر الأمن تجاهلوا تلك العروض.

تدافع وزارة الأمن الداخلي عن تصرفاتها، إذ تقول المتحدثة باسمها تريشيا ماكلولين إن الضباط التزموا برغبة الأب في بقاء الطفل معه، وحرصوا على سلامته، في حين حمّل مسؤولون في إدارة الهجرة والجمارك الأب مسؤولية ترك طفله داخل سيارة في طقس شديد البرودة.

ويكشف التقرير أن الأب والطفل محتجزان حاليًا في مركز احتجاز عائلي في ديلي، تكساس، حيث أفادت ليسيا ويلش، كبيرة المستشارين القانونيين في منظمة حقوق الطفل، بأن الأطفال هناك يعانون من المرض وسوء التغذية، وأن مئات منهم واجهوا احتجازًا مطولًا تجاوز 100 يوم.

احتجاج يتجاوز مينيسوتا

يرصد تقرير آخر لمجلة "تايم" اتساع رقعة الاحتجاجات، مع خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، وإغلاق مئات المتاجر، في مشهد وصفه المنظمون بأنه "توقف موحد للنشاط الاقتصادي" يهدف إلى إبراز القوة الأخلاقية والاقتصادية للمجتمع.

ويقول الأسقف دواين رويستر للمجلة إن مينيسوتا "لا تتحد فقط، بل تدعو الأمة بأسرها إلى التوحد"، في خطاب يربط بين النضال المحلي والحقوق المدنية على المستوى الوطني.

ويربط تقرير "تايم" بين هذه الاحتجاجات ومقتل رينيه غود، المواطنة الأمريكية التي قُتلت برصاص ضابط من إدارة الهجرة والجمارك، إضافة إلى احتجاز الطفل ليام كونيخو راموس، معتبرًا أن هذه الوقائع عمّقت الغضب تجاه ما يوصف بأساليب الإنفاذ العدوانية.

كما يذكر التقرير أن نحو مئة رجل دين أُلقي القبض عليهم خلال احتجاج في مطار مينيابوليس–سانت بول، مطالبين شركات الطيران بوقف التعاون مع رحلات الترحيل.

ويعكس هذا التداخل بين الإضراب الاقتصادي، واحتجاجات الشارع، وقضية احتجاز طفل، تحوّل سياسات الهجرة من ملف إداري إلى أزمة حقوقية مركبة تتعلق بالحق في الاحتجاج، والحق في الأمان، وحماية الأطفال، وعدم إخضاع المجتمعات بأكملها لعقاب جماعي.

وفي ظل استمرار الحملة الفيدرالية، تظل مينيسوتا نموذجًا مكثفًا لصراع أوسع حول معنى العدالة، وحدود السلطة، ومن يدفع الثمن الحقيقي لسياسات الهجرة في الولايات المتحدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية