العنف الجنسي بوصفه سلاح حرب.. نساء السودان يدفعن الثمن الأكبر للنزاع

العنف الجنسي بوصفه سلاح حرب.. نساء السودان يدفعن الثمن الأكبر للنزاع
نازحون في السودان جراء الحرب

تتصدر نساء السودان مشهد المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب المستمرة، في نزاع دموي لم يوفر لهن حماية ولا كرامة، بل حولهن إلى ضحايا مباشرات لعنف جنسي واسع النطاق، ترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة يصعب محوها، ومع امتداد أمد الحرب وتفاقم حدتها، باتت أجساد النساء ساحة مفتوحة للانتهاك، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في العالم المعاصر.

وفي مقابلة مع وكالة فرانس برس نشرت السبت، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية السودانية سليمة إسحق الخليفة أن النساء هن الفئة الأكثر تضرراً من هذا النزاع، مشيرة إلى أن ما يجري في السودان يمثل خلاصة لأبشع ما شهده العالم من انتهاكات في الحروب، وأوضحت أن العنف الجنسي لم يعد مجرد نتيجة جانبية للقتال، بل تحول إلى أداة مقصودة لإرهاب المجتمعات وتفكيكها.

واقع الانتهاكات اليومية

تشرح الوزيرة أن عمليات الاغتصاب والانتهاكات الجنسية غالباً ما ترافق أعمال النهب والسرقة، وتحدث في كثير من الأحيان أمام أفراد الأسرة، في محاولة متعمدة لإذلال الضحايا وكسر الروابط الاجتماعية، ولا يقتصر الأمر على الاعتداءات الفردية، بل يمتد إلى السبي والاتجار بالنساء، حيث يتم اختطاف بعضهن ونقلهن إلى دول مجاورة وبيعهن ضمن شبكات اتجار تستفيد من حالة الفوضى وانعدام الاستقرار.

وتضيف أن بعض النساء في السودان يواجهن مصيراً آخر لا يقل قسوة، إذ تفرض عليهن زيجات قسرية بهدف محو ما يعده المجتمع عاراً، في تجاهل تام لمعاناتهن النفسية وحقوقهن الإنسانية، وترى أن هذه الممارسات تعد شكلاً آخر من أشكال التعذيب، خاصة حين تطول طفلات وفتيات في سن مبكرة.

العنف سلاح ممنهج

بحسب سليمة إسحق الخليفة، فإن العنف الجنسي موجود ويسستخدم بوصفه سلاح حرب لتحقيق أهداف تتعلق بالتطهير العرقي وتهجير السكان، وتشير إلى أن هذا النمط من العنف لا يميز بين الضحايا، إذ يمكن أن تطول الاعتداءات امرأة عجوزاً في سن 85 أو طفلاً لا يتجاوز عمره سنة، ما يعكس وحشية غير مسبوقة.

وتؤكد الوزيرة، وهي أخصائية نفسية عملت لسنوات في مجال مكافحة العنف ضد النساء، أن هذا النوع من الجرائم يترك ندوباً طويلة الأمد، ليس فقط على الضحايا، بل على المجتمع بأسره؛ لأنه يزرع الخوف والرغبة في الانتقام، ويقوض أي أمل في السلام.

أرقام صادمة وتوثيق ناقص

أحصت وزارة الشؤون الاجتماعية أكثر من 1800 حالة اغتصاب منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 وحتى أكتوبر 2025، وهي أرقام لا تشمل الجرائم المرتكبة في إقليمي دارفور وكردفان اعتباراً من أواخر أكتوبر، بسبب صعوبة الوصول والتوثيق. وتشير هذه الأرقام إلى حجم مأساة أكبر بكثير مما هو مسجل رسمياً.

ووفقاً لتقرير حديث صادر عن شبكة سيها المدافعة عن حقوق النساء في القرن الإفريقي، يشكل الاغتصاب 77 في المئة من مجمل أعمال العنف الجنسي الموثقة، وتؤكد الشبكة أن هذه النسب تعكس نمطاً متكرراً ومنظماً من الجرائم.

قلق دولي وتحقيقات جنائية

منذ أشهر تعرب الأمم المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء الهجمات على إقليم دارفور غرب البلاد، وقد أعلنت المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق في جرائم حرب تستهدف الطرفين المتحاربين، في خطوة تعكس خطورة الوضع القائم في السودان.

وأمام مجلس الأمن الدولي في يناير، وصفت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان الوضع في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بالمروع، مشيرة إلى حملة منظمة من الاغتصاب والإعدامات الجماعية على نطاق واسع، ولفتت إلى أن بعض هذه الجرائم يتم تصويرها والاحتفاء بها من قبل مرتكبيها، في ظل شعور كامل بالإفلات من العقاب.

تدمير النسيج الاجتماعي

توضح وزيرة الشؤون الاجتماعية أن الهدف من استخدام العنف الجنسي هو إذلال الناس ودفعهم إلى مغادرة منازلهم، إضافة إلى تدمير النسيج الاجتماعي من الداخل، وترى أن تحويل الاغتصاب إلى سلاح حرب يعني أن مرتكبيه يسعون إلى إطالة أمد النزاع إلى ما لا نهاية؛ لأن هذا النوع من الجرائم يولد دوامات من الكراهية والانتقام يصعب إيقافها.

وتقارن الوزيرة بين ما يحدث اليوم وما شهده إقليم دارفور مطلع الألفية، حين وقعت جرائم واسعة النطاق، ورغم فداحة تلك المرحلة، تؤكد أن ما يجري حالياً أشد قسوة، لكونه يتضمن عمليات اغتصاب جماعية موثقة، ينفذها جناة لا يرون في أفعالهم جريمة، بل يتباهون بها.

خطاب الإذلال ونزع الإنسانية

تنقل الوزيرة شهادات لنساء في دارفور قد أَفَدْنَ بأن المعتدين وصفوهن بأنهن أقل من البشر، ونعتوهن بالعبيد، وادعوا أن الاعتداء عليهن يمثل تكريماً لهن، بزعم أن المعتدين أكثر تعليماً أو أن دمهم أنقى، وترى أن هذا الخطاب يعكس محاولة ممنهجة لنزع إنسانية الضحايا وتبرير الجرائم بأفكار عنصرية خطيرة.

في الخرطوم ومدن عدة في دارفور، بينها الفاشر، تحدثت ناجيات عن تعرضهن لاغتصاب على أيدي مرتزقة ناطقين بالفرنسية قدموا من دول غرب إفريقيا مثل مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد، إضافة إلى مقاتلين من كولومبيا وليبيا، بحسب إفادات الضحايا.

وتشير الوزيرة إلى أن بعض الضحايا اختطفن وأصبحن سبايا، في حين بيعت أخريات عبر شبكات اتجار عابرة للحدود، غير أن توثيق هذه الحالات يظل بالغ الصعوبة بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية وانعدام الأمن.

ومن أكبر التحديات التي تواجه العاملين في التوثيق، كسر صمت الضحايا في مجتمع قد يفضل أحياناً تزويج الفتيات قسراً للتستر على ما حدث، خاصة في حال حدوث حمل، وتؤكد الوزيرة أن هذه الممارسات تمثل امتداداً للعنف، وتضاعف معاناة الضحايا بدلاً من حمايتهن.

اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، لتتحول بسرعة إلى نزاع شامل أودى بحياة عشرات الآلاف، وأجبر ملايين الأشخاص على النزوح داخل البلاد وخارجها، ومع انهيار الخدمات الأساسية وتفكك مؤسسات الدولة، غرقت البلاد فيما تصفه الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، وفي ظل هذا المشهد، تواجه النساء والفتيات مخاطر مضاعفة تتراوح بين العنف الجنسي والاستغلال والحرمان من الرعاية الصحية والدعم النفسي. ومع استمرار القتال وتراجع الاهتمام الدولي، تبقى معاناة النساء واحدة من أكثر جوانب النزاع إيلاماً وصمتاً، ما يفرض تحدياً أخلاقياً وإنسانياً على المجتمع الدولي للتحرك العاجل وحماية من لا صوت لهن.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية