اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود.. تذكير أممي بمخاطر الكراهية والتعصب الديني
يُحتفى به 27 يناير من كل عام
في 27 يناير من كل عام، تتجه الأنظار إلى يوم عالمي يكتسب معنىً مختلفًا في كل مرة، ليس لأنه يكرر ذكرى حدث تاريخي، بل لأنه يذكر العالم أن الفظائع لا تختفي بمجرد مرور الزمن، وأن الذاكرة نفسها تصبح سلاحًا في مواجهة التهويد والتعصب والكراهية.
هذا اليوم هو اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود، الذي أقرته الأمم المتحدة في 2005، ليكون تذكيرًا رسميًا بواحدة من أكثر الجرائم الجماعية وحشية في التاريخ الحديث.
تعود جذور هذا اليوم إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 60/7، الذي اعتمد في 1 نوفمبر 2005، بعد جلسة خاصة انعقدت في 24 يناير من العام نفسه، تزامنًا مع الذكرى الستين لتحرير معسكرات الاعتقال النازية وإنهاء الهولوكوست.
وفي هذا القرار، حددت الأمم المتحدة يوم 27 يناير كيوم دولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود، واختير هذا التاريخ تحديدًا لأنه يوافق الذكرى السنوية لتحرير معسكر الاعتقال والموت النازي الألماني أوشفيتز-بيركيناو في 27 يناير 1945.
مسؤولية دولية
ولا يقتصر اليوم على "ذكرى" مجردة، بل يضع الاحتفاء العالمي في إطار مسؤولية دولية، فقرار الجمعية العامة لم يكتفِ بتسمية اليوم، بل أقر أيضًا إنشاء برنامج الأمم المتحدة للتوعية بمحرقة اليهود، وأكد على أهمية التوعية والتعليم، ورفض أي شكل من أشكال إنكار الهولوكوست.
كما دعا الدول الأعضاء إلى الحفاظ على المواقع التي استخدمها النازيون خلال "الحل النهائي"، مثل معسكرات الاعتقال ومراكز القتل والسجون، مع إدانة جميع أشكال التعصب الديني والتحريض أو العنف على أساس الأصل العرقي أو المعتقد الديني.
إطارات قانونية وأخلاقية
في هذا السياق، لا يمكن فصل اليوم الدولي عن التراث القانوني لحقوق الإنسان الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية، فالأمم المتحدة، التي أُنشئت استجابة لفظائع الحرب العالمية الثانية ولمحرقة اليهود، تركت أثرًا عميقًا في تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ونتيجة لهذه الفظائع، اعتمدت الأمم المتحدة في عام 1948 وثيقتين أساسيتين: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وهما وثيقتان تشكلان إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يؤكد أن الكرامة الإنسانية ليست قابلة للتجزئة، وأن حماية الإنسان من الإبادة والتعذيب والتمييز ليست خيارًا، بل التزامًا دوليًا.
ولأن التذكر لا يكتمل دون التعليم، فإن برنامج الأمم المتحدة للتوعية بمحرقة اليهود يهدف إلى تنظيم أنشطة تعليمية وتوعوية تسلط الضوء على المحرقة، مع التركيز على محاربة معاداة السامية والدفاع عن حقوق الإنسان.
ويعمل البرنامج عبر الشبكة العالمية لمراكز الأمم المتحدة للإعلام، ما يجعل التوعية ليست محصورة في الأمم المتحدة فقط، بل تمتد إلى مكاتبها حول العالم.
قصص ودروس
ومنذ عام 2010، بدأت الأمم المتحدة تحدد مواضيع سنوية للاحتفالات، لتعميق الفهم والتذكير بجوانب محددة من الهولوكوست، فكانت السنوات المتعاقبة تركز على: الناجين والدروس التي ينقلونها للأجيال القادمة، وتجارب النساء في المحرقة، والأطفال وأثر العنف الجماعي عليهم، والأفراد والجماعات الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود والغجر وغيرهم، والربط بين ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والهولوكوست.
هذه المواضيع لا تكتفي بتقديم "معلومة تاريخية"، بل تضع الهولوكوست في قلب مناقشة حقوق الإنسان، وتعيد التأكيد على أن الضحايا ليسوا أرقامًا، بل قصصًا إنسانية تتجاوز حدود الزمن.
كما أن اليوم الدولي لا يقتصر على الأمم المتحدة وحدها، فبالإضافة إلى الاحتفال العالمي، تقيم العديد من الدول أيامًا وطنية تذكارية مرتبطة بالمحرقة، فالأرجنتين، على سبيل المثال، خصصت 19 أبريل كيوم مقاومة حي اليهود بوارسو، وهو يوم وطني للتنوع الثقافي، والمجر اختارت 16 أبريل ذكرى وطنية لإحياء ذكرى المحرقة، بمناسبة إنشاء الحي اليهودي في مونكاس، والولايات المتحدة لديها "أيام تذكارية" تقام عادة بين أبريل وأوائل مايو، تتوافق مع يوم إحياء ذكرى الهولوكوست في إسرائيل.
أما على مستوى الأمم المتحدة فقد شهد اليوم أول احتفال رسمي في 27 يناير 2006 في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، بحضور نحو 2200 شخص، ومنذ ذلك الحين، أصبح الاحتفال السنوي ثابتًا، مع بث مباشر يتيح للعالم متابعة الحدث، ما يضمن أن تكون الذاكرة جماعية وليست محصورة في جدران المؤسسات.
تداعيات الكراهية والتعصب
وفي كل عام، يظل اليوم الدولي تذكيرًا عالميًا بأن الكراهية والتعصب يمكن أن تتحول إلى آلة قتل، وأن "التسامح" وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع تعليم ومعرفة وتوعية وقوانين تحمي الإنسان.
ولهذا السبب، يرفض قرار الجمعية العامة أي شكل من أشكال إنكار الهولوكوست، ويؤكد ضرورة الحفاظ على مواقع "الحل النهائي"، لأن التذكر لا يمكن أن يكون مجرد كلمات إذا لم تبقَ الأدلة على الأرض.
ويأتي هذا اليوم أيضًا كجزء من تفاعل الأمم المتحدة مع القضايا المعاصرة، فاليوم، وفي 27 يناير 2026، يحيي الأمين العام للأمم المتحدة والجمعية العامة والدبلوماسيون وأفراد الجمهور هذا اليوم مع الناجين وذويهم.
يظل اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود تذكيرًا عالميًا بأن الكراهية لا تختفي بمجرد انتهاء الحرب، وأن حماية الإنسان من الإبادة تتطلب وعيًا مستمرًا، وتذكيرًا دائمًا، وتعليمًا لا ينقطع، لأن النسيان هو الساحة التي تنمو فيها الكراهية مرة أخرى.










