طفولة تحت القمع.. اتهامات صادمة بالتحرش بأطفال عاملين في سجون طالبان
طفولة تحت القمع.. اتهامات صادمة بالتحرش بأطفال عاملين في سجون طالبان
في شوارع أفغانستان المكتظة بالأطفال العاملين، حيث تختلط براءة الطفولة بقسوة الحاجة، تتكشف روايات مؤلمة عن انتهاكات جسيمة يتعرض لها هؤلاء الصغار بعيداً عن أي حماية قانونية أو إنسانية، أطفال اضطرهم الفقر والحرب إلى العمل من أجل إعالة أسرهم، وجدوا أنفسهم فجأة خلف جدران مراكز احتجاز، يواجهون العنف والتحرش وسوء المعاملة، في مشهد يعكس هشاشة وضع الطفولة في بلد أنهكته عقود من النزاع وعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، أفاد تقرير بثته قناة آمو التلفزيونية الثلاثاء بأن عدداً من الأطفال العاملين في أفغانستان تعرضوا للتحرش الجنسي أثناء احتجازهم من قبل حركة طالبان، ونقل التقرير شهادات مباشرة لأطفال قالوا إنهم تعرضوا للإساءة الجسدية والنفسية داخل مراكز الاحتجاز، في وقت لم يصدر فيه أي رد رسمي من طالبان على هذه الاتهامات، بحسب ما أوردته القناة.
شهادات من خلف القضبان
محمد، وهو اسم مستعار لطفل تحدث للقناة لأسباب أمنية، روى تفاصيل اعتقاله المتكرر، مؤكداً أن طالبان احتجزته 3 مرات، كان أخطرها في سجن بادام باغ بالعاصمة كابول، ويقول محمد إنهم قضوا 11 يوماً في الاحتجاز وسط ظروف قاسية، حيث شح الطعام وتكررت الضربات والإهانات.
وأشار إلى أن عناصر طالبان كانوا يتعاملون مع الأطفال بعنف مستمر، ويقومون بالتحرش بهم بشكل متكرر، من خلال لمسهم والإساءة إليهم لفظياً وجسدياً، في محاولة لإذلالهم ومنعهم من العودة إلى العمل في شوارع أفغانستان.
لم تكن تجربة محمد حالة فردية، بل جزءاً من نمط أوسع من الانتهاكات التي كشف عنها التقرير، فقد أشار عدد من الأطفال إلى أنهم اعتقلوا قسراً من الشوارع بعد وعود كاذبة بتقديم مساعدات أو دعم مالي، ليجدوا أنفسهم لاحقاً داخل مراكز احتجاز تفتقر إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية.
وعود كاذبة واحتجاز قسري
نويد، طفل آخر يعمل مع شقيقيه في بيع أكياس المواد الغذائية لإعالة أسرته، تحدث عن تجربته القاسية مع الاحتجاز، قائلا إنه نُقل إلى أحد المراكز بعد أن وُعد بمساعدات مالية، لكنه سرعان ما اكتشف زيف تلك الوعود، وأوضح أن عناصر طالبان كانوا يمنحون الأطفال مبالغ زهيدة لا تتجاوز 100 أفغاني أسبوعياً، دون تقديم أي دعم حقيقي.
يحكي نويد عن محاولاته المتكررة للهروب، قائلاً إنه تمكن من الفرار مرة أثناء صلاة الصبح، ومرة أخرى خلال العمل، لكنه أُعيد اعتقاله بعنف في كل مرة، ويؤكد أن الضرب وسوء المعاملة كانا أسلوباً دائماً داخل تلك المراكز، وأن الأطفال كانوا يُجبرون على البقاء في ظروف غير إنسانية دون أي ضمانات أو رقابة.
التدريب الأيديولوجي والعنف
بحسب التقرير، لم تقتصر معاناة الأطفال المحتجزين على العنف الجسدي والتحرش، بل امتدت إلى إخضاعهم لتدريبات دينية وعسكرية مكثفة، وأفاد الأطفال بأنهم كانوا يتلقون دروساً تهدف إلى غرس أيديولوجية متشددة في عقولهم، مع مطالبات صريحة بالمشاركة في ما تسميه طالبان الجهاد في المستقبل.
هذه الممارسات، وفق منظمات حقوقية، تشكل خطراً مضاعفاً على الأطفال، إذ تجمع بين الاستغلال الجسدي والنفسي والتجنيد الأيديولوجي، ما يهدد مستقبلهم ويكرس دائرة العنف في المجتمع الأفغاني، ويؤكد أطفال تحدثوا للقناة أنهم تعرضوا للضرب بشكل شبه يومي، وأن الوعود بالمساعدة لم تتحقق حتى بعد الإفراج عنهم، حيث عادوا إلى الشوارع دون أي دعم أو حماية.
صمت رسمي وقلق حقوقي
حتى الآن، لم تصدر حركة طالبان أي تعليق رسمي على ما ورد في تقرير قناة آمو، رغم تكرار تقارير سابقة تحدثت عن تعرض الأطفال للتحرش وسوء المعاملة داخل سجون الحركة، ويثير هذا الصمت مخاوف متزايدة لدى منظمات حقوق الإنسان، التي ترى أن غياب المساءلة يفتح الباب أمام استمرار الانتهاكات بحق الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
ومنذ عودتها إلى السلطة، تسعى طالبان إلى فرض رؤيتها الأيديولوجية على المجتمع الأفغاني، مع تركيز خاص على فئة الشباب والأطفال، وتشير تقارير حقوقية إلى أن الحركة أطلقت حملة واسعة لإنشاء مدارس دينية وجهادية في مختلف أنحاء البلاد، تُتهم بأنها مراكز لتجنيد الأطفال وتلقينهم تفسيرات متشددة للدين، بعيداً عن أي معايير تعليمية أو نفسية تراعي أعمارهم واحتياجاتهم.
الأطفال العاملون فئة بلا حماية
يعد الأطفال العاملون من أكثر الفئات هشاشة في أفغانستان، حيث دفعتهم عقود من الحرب والفقر والانهيار الاقتصادي إلى العمل في الشوارع لتأمين قوت يومهم، وهؤلاء الأطفال يفتقرون إلى الحماية الاجتماعية والقانونية، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والعنف من مختلف الأطراف.
وتشير تقارير صندوق الأمم المتحدة لرعاية الأطفال إلى أن واحداً من كل 5 أطفال في أفغانستان مضطر للعمل، في حين تؤكد منظمة يونيسف أن أكثر من 2.5 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً يعملون في وظائف خطرة تهدد صحتهم الجسدية والنفسية وتحرمهم من التعليم، وفي ظل هذه الظروف، يصبح أي احتجاز أو إساءة إضافية بمثابة ضربة قاسية لمستقبل جيل كامل.
تواجه أفغانستان واحدة من أسوأ أزمات الطفولة في العالم، نتيجة تداخل عوامل الفقر المزمن، وانعدام الأمن، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع الدعم الدولي. فمنذ عقود، يعيش ملايين الأطفال في بيئة غير مستقرة تحرمهم من التعليم والرعاية الصحية والحماية، ومع عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، تفاقمت هذه التحديات، حيث فرضت الحركة قيوداً واسعة على المجتمع المدني ووسائل الإعلام، ما صعّب توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتؤكد منظمات دولية أن حماية الأطفال في أفغانستان تتطلب استجابة عاجلة تشمل توفير بدائل اقتصادية للأسر الفقيرة، وضمان وصول الأطفال إلى التعليم، ووضع آليات مستقلة لمراقبة أوضاع الاحتجاز، بما يضمن عدم تحويل الفقر والضعف إلى بوابة لانتهاك كرامة الطفولة ومستقبلها.










