تراجع حرية التعبير.. طالبان تضيق الخناق على الإعلام بإلغاء تراخيص المؤسسات الداعمة
تراجع حرية التعبير.. طالبان تضيق الخناق على الإعلام بإلغاء تراخيص المؤسسات الداعمة
تتواصل مؤشرات التراجع الحاد في واقع حرية التعبير والإعلام في أفغانستان، حيث أدان مركز الصحفيين الأفغان قرار حركة طالبان إلغاء تراخيص عمل غالبية المؤسسات الداعمة للإعلام، معتبرا أن الخطوة تمثل امتدادا واضحا لسياسة الاحتكار الإعلامي وفرض الرواية الواحدة التي تنتهجها الحركة منذ عودتها إلى السلطة. ويأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه الصحافة الأفغانية من قيود غير مسبوقة طالت المحتوى والكوادر والمؤسسات على حد سواء.
وذكر مركز الصحفيين الأفغان في بيان نقلته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" اليوم الثلاثاء، أن إدارة طالبان تسعى عبر قمع حرية التعبير والإعلام إلى الترويج لروايات دعائية تتوافق مع توجهاتها السياسية والفكرية، محذرا من أن استهداف المؤسسات الداعمة للإعلام يهدد ما تبقى من المساحة الضيقة المتاحة للعمل الصحفي المستقل في البلاد.
قرار مفاجئ من وزارة الإعلام
كانت وزارة الإعلام والثقافة التابعة لحركة طالبان قد أعلنت يوم أمس الاثنين إلغاء تراخيص جميع المنظمات الداعمة للإعلام في أفغانستان، مع استثناء ثلاث مؤسسات فقط من القرار. وبررت الوزارة هذه الخطوة بالقول إن المؤسسات التي ألغيت تراخيصها تسببت في خلق مشكلات إضافية للصحفيين ووسائل الإعلام، وألحقت ضررا بسمعة الإعلام الأفغاني على المستوى الدولي، بدلا من المساهمة في حل التحديات التي يواجهها القطاع.
يرى مراقبون أن إشارة الوزارة تتعلق على الأرجح بالتقارير الانتقادية التي تصدرها منظمات دولية معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، والتي غالبا ما تعتمد في إعدادها على معلومات وتحليلات يقدمها صحفيون ومؤسسات رقابية داخل أفغانستان، وتعتبر طالبان هذه التقارير تشويهاً لصورتها، في حين تعدها منظمات حقوقية توثيقا لانتهاكات موثقة بحق الإعلاميين.
لم تعلن وزارة الإعلام والثقافة أسماء المؤسسات الثلاث التي جددت تراخيصها، إلا أن مركز الصحفيين الأفغان أوضح أن التراخيص منحت فقط للجنة سلامة الصحفيين الأفغان، ومؤسسة دعم الصحفيين ووسائل الإعلام في أفغانستان، والمركز الصحفي الأفغاني، وفي المقابل، أشار المركز إلى أن مصير المؤسسات التي حصلت على تراخيصها سابقا من وزارة العدل التابعة لطالبان لا يزال غير واضح، مع ترجيحات باتخاذ إجراءات مماثلة بحقها في المرحلة المقبلة.
غياب التقييم والرقابة المسبقة
نقل مركز الصحفيين الأفغان عن مسؤول في إحدى المؤسسات التي ألغيت تراخيصها قوله إن طالبان لم تُجرِ أي تقييم أو مراجعة لأنشطة المؤسسة قبل اتخاذ القرار، وأضاف أن الهدف الحقيقي للإدارة الحاكمة يتمثل في قمع المؤسسات المستقلة والسيطرة على جميع المجالات المرتبطة بالإعلام والمجتمع المدني، بما يضمن غياب أي أصوات نقدية أو رقابية.
لفت المركز إلى أن المؤسسات التي ألغيت تراخيصها كانت تركز في الغالب على تدريب الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، بعد أن فرضت حركة طالبان قيودا واسعة حدت من أنشطتها الميدانية والرقابية، وأكد أن إغلاق هذه المؤسسات سيحرم الصحفيين من الدعم المهني والقانوني، ويضعف قدرتهم على مواجهة الضغوط المتزايدة.
حذر مركز الصحفيين الأفغان من التداعيات الخطيرة لإغلاق المؤسسات الداعمة للإعلام، معتبرا أن طالبان تسعى إلى فرض سيطرة كاملة على الجهات الرقابية المعنية بحرية التعبير، وأشار إلى أن الحركة منعت وسائل الإعلام المحلية من انتقاد سياساتها أو مسؤوليها، ما أدى إلى انتشار الرقابة الذاتية والخوف داخل غرف التحرير.
توظيف الإعلام لصالح السلطة
في سياق متصل، كانت وزارة الإعلام والثقافة قد أشادت يوم الأحد بأنصار طالبان على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعتهم صراحة إلى الترويج لصالح إدارتها، ويعكس هذا التوجه رغبة الحركة في توظيف الإعلام التقليدي والرقمي لتعزيز خطابها الرسمي، في مقابل تهميش أي روايات مستقلة أو مخالفة.
أكد تاجمير جواد، نائب رئيس استخبارات طالبان، خلال اجتماع عقد في القصر الرئاسي، أن قيادة الحركة تولي اهتماما خاصا بما وصفه بالنضال القلمي والثقافي، وقال إن أنصار طالبان في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لعبوا دورا مهما في إضفاء الشرعية على حرب الحركة وكشف ما سماه ممارسات العدو، في إشارة إلى خصومها السابقين.
قمع ممنهج
منذ عودتها إلى الحكم، شددت حركة طالبان قبضتها على وسائل الإعلام، واضطرت شبكات إخبارية مستقلة إلى فرض رقابة ذاتية أو نشر مواد تتماشى مع خطاب الحركة، وذكرت منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها السنوي الصادر في ديسمبر أن الصحافة في أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان اختنقت بفعل رقابة صارمة، وأضاف التقرير أنه منذ عودة الحركة إلى السلطة جرى اعتقال أكثر من 165 ناشطا إعلاميا، من بينهم 25 شخصا خلال عام 2025 فقط.
بحسب تقارير المؤسسات الداعمة للإعلام، لا يزال ما لا يقل عن 5 صحفيين وناشطين إعلاميين محتجزين حاليا في أفغانستان، وقد صدرت بحق بعضهم أحكام بالسجن من محاكم طالبان، وتعد هذه المرة الأولى التي تمارس فيها الحركة ضغوطا مباشرة على المؤسسات التي عمل بعضها لسنوات طويلة في مجال دعم الصحفيين ووسائل الإعلام.
انتقادات دولية لملف حقوق النساء
في سياق آخر من الأزمة الحقوقية التي تعيشها أفغانستان، شن توم توغندهات، وزير الأمن البريطاني السابق، هجوما حادا على تصريحات وزير التعليم العالي في حكومة طالبان بشأن منع تعليم النساء، واصفا الوضع الراهن في أفغانستان بأنه كارثة مخيفة. وأدان حرمان النساء والفتيات الأفغانيات من أبسط حقوقهن الإنسانية.
كتب توغندهات يوم الاثنين على منصة "إكس" أن طالبان تبرر حرمان النساء والفتيات من الحقوق الأساسية عبر أيديولوجيا دينية.
ويشغل توغندهات حاليا منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، ونشر مقطع فيديو لوزير التعليم العالي في طالبان ندا محمد نديم، كان قد أعلن فيه في سبتمبر حظر تعليم الفتيات حتى إشعار آخر.
تبريرات طالبان المتكررة
خلال السنوات الأربع الماضية، كررت طالبان القول إن الظروف غير مهيأة لإعادة فتح المدارس أمام الفتيات، رغم تأكيدها فرض الأمن الكامل وتنفيذ مشاريع بنية تحتية واسعة، من جانبه، قال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان إن بعض فئات المجتمع الأفغاني لا تؤيد تعليم الفتيات، في تبرير أثار انتقادات حقوقية واسعة.
من دون أن يسمي الولايات المتحدة مباشرة، اعتبر توغندهات أن الاتفاق الذي أبرمته واشنطن مع طالبان كان سببا رئيسيا في الوضع الراهن للنساء الأفغانيات، وقال إن أفغانستان تركت لمصيرها بعد اتفاق السلام، متسائلا عن الطرف الذي خدمه ذلك الاتفاق، وتعد هذه التصريحات من بين الانتقادات النادرة التي تصدر عن سياسي بريطاني بارز لاتفاق الدوحة.
منذ سيطرتها على كابول في أغسطس 2021 عقب انسحاب القوات الأمريكية، فرضت طالبان منظومة صارمة من القيود على الحياة العامة في أفغانستان، شملت الإعلام والتعليم وحقوق النساء، وأدى انهيار حكومة أشرف غني وفرار الرئيس السابق من البلاد إلى سيطرة سريعة للحركة، وسط انهيار كامل لمؤسسات الدولة والجيش، ومع مرور الوقت، تزايدت الانتقادات الدولية لسياسات طالبان، خاصة في ما يتعلق بحرية التعبير وحقوق النساء والفتيات، بينما لا تزال الحركة ترفض الضغوط الخارجية وتؤكد التزامها بتفسيرها الخاص للشريعة، ما يضع مستقبل الحريات في أفغانستان أمام تحديات غير مسبوقة.










