وسط الحصار.. سكان غزة يواجهون مأساة يومية مع خبز سريع التلف ودعم محدود

وسط الحصار.. سكان غزة يواجهون مأساة يومية مع خبز سريع التلف ودعم محدود
نساء يصنعن الخبز داخل إحدى الخيام في غزة

يعيش سكان قطاع غزة يوميًا واقعًا مأساويًا مرتبطًا بتدني جودة الخبز الموزع ضمن مساعدات برنامج الأغذية العالمي، وهو الخبز الذي وصفه العديد من المواطنين بأنه سريع التلف ومحدود الفائدة الغذائية، في وقت يعتمد فيه القطاع بشكل شبه كامل على المخابز المدعومة إنسانيًا نتيجة انهيار البنية التقليدية للإنتاج، وهذا الوضع يفاقمه استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع، الذي يقيّد دخول الطحين والوقود، ويزيد من صعوبة تأمين الحد الأدنى من الغذاء لمئات الآلاف من السكان.

وبحسب ما أفادت وكالة "صفا" الجمعة، فإن هذه الأزمة الغذائية تتضح بشكل يومي في قطاع غزة لدى المواطنين الذين يشكون من أن الخبز يتفتت سريعًا ويجف خلال ساعات، وأحيانًا يكون غير مستوٍ بالكامل.

 وقالت النازحة منى محيسن: عندما يوزع علينا الخبز نراه طازجًا صالحًا للاستخدام، وما إن تمر ساعة حتى يصبح يابسًا لا يصلح للأكل. 

وأضافت أن الخبز في اليوم التالي يظهر عليه العفن، ما يجعل تناوله مستحيلاً.

الخبز سريع التلف وأسبابه

ويعود تلف الخبز في يوم واحد إلى عدم استواء العجينة بشكل كامل أثناء التصنيع، وأكد المواطن هاني أبو سمرة، الذي عمل سابقًا في أحد المخابز التي دُمّرت خلال الحرب، أن جودة الخبز الموزع عبر المخابز المدعومة لا تتوافق مع المعايير الأساسية، وأضاف أن الخبز لا يأخذ حقه الكافي في العجن والتخمير والخبيز، ما يؤدي إلى تلفه السريع، وأن هذه الظروف ليست نتيجة إهمال، بل انعكاساً للقيود التشغيلية والموارد المحدودة المتاحة.

تفكيك منظومة الخبز

رئيس جمعية أصحاب المخابز في القطاع عبد الناصر العجرمي أوضح أن منظومة الخبز قبل الحرب كانت هشة لكنها مستقرة، إذ كان يعمل في قطاع غزة 75 إلى 80 مخبزًا قادرة على تغطية الاحتياجات اليومية للسكان، رغم الحصار، وأشار إلى أن هذه المنظومة كانت تعتمد على انتظام دخول الطحين والوقود، وأن أي خلل في أحد هذين العاملين كان ينعكس مباشرة على الإنتاج، وأضاف العجرمي أن ما حدث بعد السابع من أكتوبر 2023 لم يكن خللًا عابرًا، بل تفكيكًا كاملًا للمنظومة نتيجة الغارات الإسرائيلية التي دمّرت عشرات المخابز، خاصة في مدينة غزة وشمالها، ما أدى إلى خروج غالبية المخابز عن الخدمة مع نهاية 2023.

أزمة الوقود وأثرها على الإنتاج

وأكد العجرمي أن العامل الحاسم في انهيار منظومة الخبز هو نقص الوقود، مشيرًا إلى أن المخبز الواحد يحتاج يوميًا بين 800 و1200 لتر من السولار لتشغيل خطوط الإنتاج والمولدات، فيما يصل الاحتياج اليومي لكافة المخابز في القطاع إلى نحو 300 ألف لتر، وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يسمح بإدخال كميات محدودة من الوقود لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الفعلية لجميع القطاعات الحيوية، ما يزيد من الضغوط على إنتاج الخبز واستقراره.

وأشار العجرمي إلى أن المخابز المدعومة من برنامج الغذاء العالمي تعمل ضمن نظام حصص صارم، تحدد فيه الكميات مسبقًا، دون الأخذ بعين الاعتبار الضغط التشغيلي أو التفاوت السكاني بين المناطق، ويغطي هذا النظام العجز الناتج عن فقدان نحو 35 مخبزًا تم تدميرها خلال الحرب، لكنه يجعل إنتاج الخبز أقل مرونة ولا يسمح بتلبية الطلب الكامل للمواطنين.

تداعيات إنسانية واضحة

الاعتماد شبه الكلي على المخابز المدعومة يجعل سكان قطاع غزة يعيشون حالة يومية من القلق حول الغذاء، لا سيما الأسر التي تضم أطفالًا ومرضى، والذين يحتاجون إلى غذاء مستقر وصحي. 

ويؤدي تلف الخبز سريعًا إلى ضغوط إضافية على الأسر، التي تضطر إلى البحث عن بدائل أو الاستغناء عن الحصص المخصصة لها، في حين أن هذه الحصص تمثل الحد الأدنى الذي يمكن للمواطن الحصول عليه ضمن الظروف الحالية.

آثار الحصار على القطاع

يضيف الواقع أن استمرار الحصار الإسرائيلي على غزة أدى إلى تقييد المواد الأساسية الأخرى، ما أثر على قدرة المخابز على الإنتاج بشكل طبيعي، وجعلها تعمل وفق منطق الطوارئ، لإنتاج أكبر كمية ممكنة في أقل وقت، وهذه الضغوط العملية تضع الجودة في مرتبة ثانية، ما يجعل الخبز غالبًا سريع التلف وغير متماسك، كما يشكو السكان من تفتت العجينة وجفافها خلال ساعات قليلة بعد توزيعه.

جهود إنسانية محدودة

ورغم هذه التحديات، تواصل المنظمات الإنسانية جهودها لتخفيف الأزمة، حيث تحاول المخابز المدعومة تعويض الخسائر الناتجة عن تدمير المخابز الأخرى، وتوزيع الخبز على السكان بشكل منظم وفق الحصص المتاحة، إلا أن محدودية الموارد وارتفاع الطلب يجعل التوزيع غير كافٍ لتغطية احتياجات جميع المواطنين بشكل كامل.

قطاع غزة يعتمد تاريخيًا على منظومة محلية لإنتاج الخبز، كانت قبل حرب الإبادة الإسرائيلية تضم نحو 75 إلى 80 مخبزًا موزعة بين المدن والأحياء، وتغطّي الاحتياجات اليومية للسكان، وهذه المنظومة كانت هشة بسبب الحصار المستمر، لكنها كانت مستقرة بفضل انتظام دخول الطحين والوقود، ومنذ أكتوبر 2023، ومع الحروب المكثفة والدمار الذي طال البنية التحتية، تراجع عدد المخابز العاملة بشكل كبير، وأصبحت الغالبية تعتمد على الدعم الإنساني، ما جعل جودة الخبز محدودية وسريعة التلف، ويشير الخبراء إلى أن الأزمة الحالية تعكس حجم المعاناة الإنسانية في غزة، حيث يجتمع تأثير الحصار، ونقص الوقود، ودمار البنية التحتية، والاعتماد على الدعم الإنساني، لتنتج أزمة غذائية يومية تهدد الصحة العامة للسكان وتضع البنية الغذائية للقطاع تحت ضغط غير مسبوق.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية