رصاصة الجوع تصيب الطفولة.. حين تحوّلت المساعدات في غزة إلى مصائد موت
رصاصة الجوع تصيب الطفولة.. حين تحوّلت المساعدات في غزة إلى مصائد موت
لم يكن صهيب المطوق، الطفل الفلسطيني البالغ من العمر 14 عامًا، يبحث عن أكثر من لقمة تسد جوع عائلته، عندما خرج من خيمتهم شمالي قطاع غزة متوجهًا إلى نقطة توزيع مساعدات غذائية.
ولم يكن يحمل سوى أمل بسيط في العودة بكيس طحين أو علبة طعام، لكن تلك الرحلة القصيرة انتهت برصاصة إسرائيلية غيّرت مسار حياته بالكامل، وسلبته القدرة على الكلام والأكل، وتركته أسير معاناة جسدية ونفسية طويلة، بحسب ما ذكرت وكالة “الأناضول”، اليوم الاثنين.
أُصيب صهيب في 25 يونيو الماضي أثناء توجهه إلى نقطة توزيع المساعدات التابعة لما عُرف باسم “مؤسسة غزة الإنسانية”، في منطقة زيكيم أقصى شمال القطاع، في وقت كان فيه الفلسطينيون يواجهون مجاعة خانقة ونقصًا حادًا في الغذاء.
وخلال محاولته الحصول على مساعدات لإخوته الصغار، اخترقت رصاصة إسرائيلية وجهه وكتفه، متسببة بتهتك خطير في الفكين واللسان، أدخله في رحلة علاج شاقة وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في غزة.
مصائد موت بغطاء إنساني
جاءت إصابة صهيب في سياق آلية مثيرة للجدل لتوزيع المساعدات، فرضتها إسرائيل في 27 مايو 2025، عبر “مؤسسة غزة الإنسانية”، وهي جهة مدعومة إسرائيليًا وأمريكيًا، ومرفوضة من الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الدولية.
وعملت هذه المؤسسة بعيدًا عن إشراف هيئات أممية مثل برنامج الأغذية العالمي ويونيسف، وفي مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، سواء في رفح جنوبًا أو بيت لاهيا شمالًا.
وأطلق الفلسطينيون على هذه النقاط اسم “مصائد الموت”، بعد تكرار حوادث إطلاق النار وسقوط ضحايا أثناء تجمع المدنيين الجوعى.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استشهد 2605 فلسطينيين وأُصيب أكثر من 19 ألفًا، وفُقد المئات، خلال محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية في تلك النقاط.
المجاعة دفعت الطفل
تقول سهام المطوق، والدة صهيب، إن الفقر المدقع وانعدام مصادر الدخل دفعا طفلها، رغم صغر سنه، إلى المخاطرة بحياته. وتوضح أن العائلة كانت تعيش في خيمة، وغالبًا ما تمر أيام دون أن تتمكن من توفير وجبة واحدة.
وتضيف أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية، إلى جانب شح المساعدات، جعل الأطفال في مواجهة مباشرة مع خطر الجوع.
تزامنت إصابة صهيب مع واحدة من أسوأ الأزمات الغذائية في تاريخ القطاع، بعد أن أغلقت إسرائيل المعابر في 2 مارس 2025 ومنعت دخول المساعدات.
وفي 22 أغسطس 2025 أعلنت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي التي تضم منظمات دولية، منها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، تفشي المجاعة في مدينة غزة وشمال القطاع.
رصاصة أنهكت الجسد
تروي الأم أن الأطباء في مستشفى الشفاء أبلغوها بأن رصاصة متفجرة تسببت بإغلاق فم طفلها بالكامل، ما أفقده القدرة على الكلام والمضغ، وأصبح بحاجة إلى جراحات متقدمة وزراعة عظام غير متوفرة داخل القطاع.
ورغم استصدار تحويلة طبية، ما زال صهيب عالقًا بسبب إغلاق المعابر ومنع سفر المرضى.
تفاقمت معاناة الطفل مع مرور الوقت، إذ بات عاجزًا عن تناول الطعام الصلب، وتعتمد والدته على طحن الأطعمة وإطعامه عبر الحقن، في حين يعاني ضعفًا في السمع، وخطر اختناق بسبب تآكل عظام الفك.
طفولة مسلوبة
امتدت آثار الإصابة إلى الجانب النفسي، حيث دخل صهيب في عزلة قاسية، ولم يعد قادرًا على اللعب أو الدراسة أو التواصل مع أقرانه، ويعبر عن مشاعره فقط عبر الكتابة على الهاتف.
وتقول والدته إن طفلها الذي كان متفوقًا دراسيًا ويحلم بأن يصبح ممرضًا، بات حلمه الوحيد اليوم أن يستعيد صوته وقدرته على الأكل.
وتعكس قصة صهيب المطوق وجهًا إنسانيًا صارخًا لما يعيشه أطفال غزة، حيث تحوّلت المساعدات الإنسانية إلى خطر قاتل، وأصبح الجوع نفسه سلاحًا يفتك بالأجساد والطفولة، في انتهاك واضح لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وسط صمت دولي وعجز عن توفير الحماية والعلاج لمن هم في أمسّ الحاجة إليه.









