من الأرض إلى القانون.. أدوات إسرائيل لفرض السيطرة بالضفة وسط تحذيرات أممية وحقوقية

من الأرض إلى القانون.. أدوات إسرائيل لفرض السيطرة بالضفة وسط تحذيرات أممية وحقوقية
الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية

تتسارع خطوات الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بوتيرة لافتة خلال الأشهر الأخيرة، في مسار تصفه منظمات حقوقية دولية، منها منظمة العفو "أمنستي"، بأنه محاولة ممنهجة لـفرض واقع جديد على الأرض يمهّد لضم فعلي للأراضي الفلسطينية، وتأتي هذه الإجراءات التي تتراوح بين توسيع المستوطنات وكذلك إعادة تصنيف الأراضي وتغيير الأطر القانونية، في سياق سياسي وأمني معقد، لكنها تثير في الوقت ذاته تحذيرات واسعة من تداعياتها القانونية والإنسانية على مستقبل القضية الفلسطينية.

تشير تقارير حديثة إلى أن السلطات الإسرائيلية كثّفت منذ ديسمبر الماضي حزمة من القرارات الاستيطانية التي تستهدف توسيع رقعة السيطرة على الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية، ووفق بيان صادر عن منظمة العفو الدولية يوم الجمعة، فإن هذه الإجراءات تشمل طرح مناقصات استيطانية جديدة، والمصادقة على إنشاء مستوطنات إضافية، وتوسيع القائم منها، إلى جانب خطوات إدارية وقانونية تهدف إلى تسجيل مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بوصفها “أراضي دولة”.

تهديد إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة

في هذا السياق برزت خطة بناء 3401 وحدة استيطانية في منطقة “إي 1” شرق القدس، وهي منطقة ذات حساسية جغرافية وسياسية عالية، إذ يُنظر إليها باعتبارها حلقة الوصل بين مستوطنة “معاليه أدوميم” والقدس الشرقية، وتحذر منظمات حقوقية من أن تنفيذ هذه الخطة سيؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية إلى أجزاء منفصلة، ما يهدد بشكل مباشر إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.

تُظهر الأرقام حجم التوسع الاستيطاني المتسارع، فقد صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي في ديسمبر الماضي على إنشاء 19 مستوطنة جديدة، ليرتفع عدد المستوطنات التي تمت الموافقة عليها خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى 68 مستوطنة. ويبلغ العدد الإجمالي للمستوطنات الرسمية في الضفة الغربية نحو 210 مستوطنات، في حين يقطنها ما يقارب 750 ألف مستوطن إسرائيلي، وفق تقديرات منظمات حقوقية.

ولا يتوقف التوسع عند المستوطنات الرسمية، إذ تشير بيانات منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية إلى إنشاء 86 بؤرة استيطانية جديدة خلال عام 2025 وحده، معظمها ذات طابع رعوي أو زراعي، لكنها تتحول تدريجياً إلى تجمعات دائمة تفرض واقعاً جديداً على الأرض. وفي موازاة ذلك، وثّقت منظمة “بتسيلم” تهجير أكثر من 21 تجمعاً فلسطينياً بشكل كلي أو جزئي خلال الفترة نفسها نتيجة تصاعد عنف المستوطنين.

قرارات رسمية بتوسيع السيطرة

ضمن الإجراءات الأخيرة، أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية في 5 يناير تخصيص نحو 694 دونماً من أراضي بلدات فلسطينية في شمال الضفة باعتبارها “أراضي دولة”، في خطوة تُعد جزءاً من سياسة أوسع لإعادة تصنيف الأراضي وتوسيع السيطرة الإسرائيلية عليها، كما أقر المجلس الوزاري الأمني في فبراير إجراءات إضافية شملت إلغاء قيود قانونية سابقة على شراء الأراضي، وتوسيع صلاحيات السلطات الإسرائيلية في مجالات التخطيط والبناء وإدارة الموارد.

وفي 15 فبراير خصصت الحكومة الإسرائيلية أكثر من 244 مليون شيكل لإنشاء آلية تنقل صلاحيات تسجيل أراضي المنطقة “ج” من الإدارة المدنية إلى وزارة العدل، وهي خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها تمهيد لتغيير الوضع القانوني القائم، ما يعزز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على الأراضي المصنفة ضمن هذه المنطقة التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية.

ترسيخ نظام تمييزي

ترى منظمة العفو الدولية أن هذه الإجراءات تمثل تصعيداً خطيراً في سياسة الضم الفعلي، مؤكدة أن إسرائيل، رغم قرارات الأمم المتحدة وفتوى محكمة العدل الدولية، تواصل توسيع المستوطنات بشكل يتعارض مع القانون الدولي، وتشير المنظمة إلى أن هذه السياسات تسهم في ترسيخ نظام تمييزي يؤثر بشكل مباشر في حياة الفلسطينيين، من خلال مصادرة الأراضي وتقييد الحركة وتقويض سبل العيش.

على الصعيد الأممي تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة يُعد غير قانوني بموجب القانون الدولي، استناداً إلى اتفاقيات جنيف الرابعة التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. كما شددت قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2334 الصادر عام 2016، على عدم شرعية المستوطنات وضرورة وقف جميع الأنشطة الاستيطانية.

ورغم هذا الإجماع القانوني الدولي، تشير المعطيات إلى استمرار التوسع بوتيرة متسارعة، مدفوعاً بعوامل سياسية داخلية، منها صعود التيارات اليمينية الداعمة للاستيطان داخل الحكومة الإسرائيلية، إلى جانب اعتبارات أمنية واستراتيجية تتعلق بالسيطرة على الأرض والموارد.

التداعيات الإنسانية

تتجلى التداعيات الإنسانية لهذه السياسات بشكل واضح في حياة الفلسطينيين اليومية. فمصادرة الأراضي تؤدي إلى فقدان مصادر الرزق، خاصة في المجتمعات الزراعية والرعوية، كما تفرض القيود على البناء والتوسع العمراني واقعاً من الاكتظاظ وانعدام الاستقرار، وفي الوقت ذاته يتزايد خطر التهجير القسري، كما تشير حالات إخلاء التجمعات الفلسطينية التي وثقتها منظمات حقوقية.

إضافة إلى ذلك، يسهم التوسع الاستيطاني في تقطيع أوصال الضفة الغربية من خلال شبكة الطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، ما يقيّد حركة الفلسطينيين ويؤثر في وصولهم إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي هذا الواقع إلى تراجع فرص التنمية الاقتصادية وزيادة معدلات الفقر والبطالة.

على المستوى الحقوقي، تواصل منظمات دولية وإسرائيلية توثيق الانتهاكات المرتبطة بالاستيطان، ومنها عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، والذي يشهد تصاعداً ملحوظاً وفق تقارير حديثة. وتشير هذه المنظمات إلى أن غياب المساءلة القانونية يسهم في استمرار هذه الانتهاكات وتفاقمها.

في المقابل، تدعو جهات دولية إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لضمان احترام القانون الدولي، ومنها فرض عقوبات أو اتخاذ خطوات دبلوماسية للضغط من أجل وقف التوسع الاستيطاني. كما تؤكد أهمية دعم الجهود الرامية إلى حماية المجتمعات الفلسطينية وتعزيز صمودها في مواجهة هذه التحديات.

يأتي هذا التصعيد في سياق تاريخي طويل من الاستيطان في الأراضي الفلسطينية بدأ منذ عام 1967 وتطور عبر عقود من السياسات المتعاقبة التي هدفت إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، ومع مرور الوقت، أصبح الاستيطان أحد أبرز القضايا الخلافية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ لما يحمله من تداعيات سياسية وقانونية وإنسانية.

في ظل هذه المعطيات تظل مسألة الاستيطان محوراً أساسياً في أي نقاش حول مستقبل الضفة الغربية وإمكانية التوصل إلى حل سياسي. ومع استمرار التوسع الحالي، تتزايد المخاوف من تقويض فرص تحقيق تسوية قائمة على حل الدولتين، في ظل واقع ميداني يتغير بسرعة على الأرض.

في المحصلة، تكشف المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية عن مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني تتجاوز الطابع التقليدي نحو إعادة تشكيل الواقع القانوني والجغرافي للضفة الغربية، وسط تحذيرات متصاعدة من أن هذه السياسات قد تترك آثاراً طويلة الأمد في الاستقرار الإقليمي والحقوق الأساسية للسكان الفلسطينيين.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية