شبكة عابرة للقارات.. هولندا تلاحق أكبر قضية تهريب بشر في تاريخها
شبكة عابرة للقارات.. هولندا تلاحق أكبر قضية تهريب بشر في تاريخها
تواصل السلطات الهولندية خطواتها المتسارعة لتفكيك واحدة من أخطر شبكات تهريب البشر التي كُشف عنها في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، في قضية كشفت وجها قاسيا للهجرة غير النظامية، حيث امتزجت معاناة المهاجرين بالعنف المنهجي والابتزاز والاحتجاز القسري، ومع تسليم مشتبه به رئيسي من خارج البلاد، تدخل القضية مرحلة مفصلية قد تعيد رسم خريطة الملاحقات القضائية للاتجار بالبشر خارج الحدود الأوروبية.
ووفق ما أعلنته النيابة العامة الهولندية، في بيان رسمي نقلته الاثنين وسائل إعلام دولية، من بينها "مهاجر نيوز"، فقد وصل إلى مطار سخيبول في أمستردام يوم 24 ديسمبر الماضي مشتبه به إريتري يبلغ من العمر 41 عاما، جرى تسليمه بعد سنوات من الملاحقة الدولية، وتمت عملية التسليم تحت حراسة مشددة من الشرطة العسكرية الهولندية، في خطوة وُصفت بأنها إنجاز أمني وقضائي بالغ الأهمية.
في قلب شبكة دولية
تؤكد السلطات الهولندية أن الرجل يُشتبه في لعبه دورا محوريا داخل شبكة دولية لتهريب المهاجرين، تُعد الأكبر التي تواجهها هولندا حتى الآن، وتشمل التهم الموجهة إليه تهريب البشر واحتجاز رهائن والابتزاز، إضافة إلى ممارسة عنف ممنهج شمل اعتداءات جسدية وجنسية داخل مراكز احتجاز في ليبيا، وتشير التحقيقات إلى أن هذه الجرائم لم تكن حوادث فردية، بل جزءا من نموذج عمل منظم استمر لسنوات.
وبحسب ملف القضية، فإن غالبية الضحايا كانوا مهاجرين إريتريين فروا من بلادهم بحثا عن الأمان، وسلكوا طرقا غير نظامية عبر ليبيا للوصول إلى أوروبا، وهناك، وجد كثير منهم أنفسهم أسرى لدى جماعات إجرامية حولت رحلتهم إلى كابوس طويل من العنف والاستغلال.
كان اسم المشتبه به مدرجا على قوائم الملاحقة الدولية منذ عام 2021، بعدما فرّ من الاحتجاز أثناء محاكمته في قضية أخرى داخل إثيوبيا، وفي يناير 2023 ألقي القبض عليه في السودان ضمن عملية أمنية دولية معقدة، ونجحت هولندا في استكمال إجراءات تسليمه، ويرى مسؤولون قضائيون أن هذه الخطوة ترسل رسالة واضحة مفادها أن الجرائم الخطيرة بحق المهاجرين لن تسقط بالتقادم، حتى وإن ارتُكبت خارج أوروبا.
علاقة بزعيم الشبكة
تكشف أوراق الادعاء عن علاقة مباشرة بين المشتبه به وشخصية أخرى تُعد العقل المدبر للشبكة، وهو إريتري يدعى أمانويل و. يبلغ من العمر 42 عاما، ويخضع أمانويل حاليا للمحاكمة أمام محكمة مقاطعة أوفرايسل في مدينة زفوله شمال شرقي هولندا، في قضية توصف بأنها من أعقد الملفات الجنائية في البلاد.
وفي 19 نوفمبر 2025 طالب الادعاء العام بالحكم عليه بالسجن لمدة 20 عاما، مشيرا إلى أن الجرائم التي أُديرت من قبله في ليبيا جرت في ظروف وحشية وقاسية للغاية، ومن المنتظر أن تصدر المحكمة حكمها النهائي في 27 يناير الجاري كما وُجهت اتهامات إلى خمسة أشخاص آخرين يُشتبه في تورطهم بجمع وتحويل أموال الفدية، على أن يمثلوا أمام القضاء خلال الفترة المقبلة.
تعود جذور هذه القضية إلى تحقيق موسع أجرته السلطات الهولندية بين عامي 2014 و2019، وأسفر عن ملف قضائي ضخم تجاوز 30000 صفحة، وضم الملف نحو 200 شهادة شهود، إضافة إلى سجلات هاتفية ومحادثات مسجلة وصور أقمار صناعية وبيانات مالية، إلى جانب معلومات جُمعت من مصادر مفتوحة.
وشارك في التحقيق شركاء دوليون عدة، من بينهم فريق تحقيق مشترك مع إيطاليا، فيما قدم مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية دعما معلوماتيا مهما، نظرا لطبيعة الجرائم المرتكبة داخل الأراضي الليبية.
العنف والابتزاز كمنهج
خلال جلسات المحكمة، استمعت هيئة القضاة إلى شهادات مروعة لضحايا نجوا من قبضة الشبكة، وتحدث الشهود عن احتجازهم قسرا داخل مراكز في ليبيا، حيث تعرضوا للضرب المبرح والتعذيب والتجويع، إضافة إلى الاعتداءات الجنسية، وأكد عدد منهم أنهم تمكنوا من التعرف بوضوح على أمانويل وبوصفه المشرف المباشر على أعمال العنف.
وأشار الادعاء إلى أن المهاجرين كانوا يُحتجزون كرهائن، فيما يتواصل أفراد الشبكة مع أقاربهم المقيمين في أوروبا، بما في ذلك هولندا، لابتزازهم ماليا مقابل الإفراج عن ذويهم أو السماح لهم بمواصلة الرحلة.
في واحدة من أكثر الشهادات إيلاما، قال أحد الضحايا إن العائلات كانت تُجبر عبر الهاتف على الاستماع إلى تعذيب أبنائها، في محاولة لدفعهم إلى تحويل الأموال بسرعة، وكانت مبالغ الفدية تُرسل غالبا عبر أنظمة مالية غير رسمية مثل الحوالة، ما صعّب عملية تتبع الأموال لفترة طويلة.
وأكدت النيابة العامة أن محاكمة القضية في هولندا تستند إلى تأثير الجرائم المباشر على أراضيها، سواء عبر ابتزاز مقيمين داخل البلاد أو عبر تحويل الأموال، إضافة إلى تقويض هذه الأنشطة لسياسات اللجوء الهولندية، واختصرت النيابة آلية عمل الشبكة بقولها إن التهريب لا يتم دون مدفوعات ولا مدفوعات دون ابتزاز ولا ابتزاز دون عنف.
تشكل ليبيا منذ سنوات نقطة عبور مركزية للمهاجرين القادمين من إفريقيا باتجاه أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، ووفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، اعترض خفر السواحل الليبي نحو 21700 مهاجر خلال عام 2024 أثناء محاولتهم العبور، ويُعاد معظم هؤلاء قسرا إلى مراكز احتجاز تعاني من الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية، وغالبا ما تقع تحت سيطرة جماعات مسلحة أو إجرامية، وقد وثقت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، انتهاكات جسيمة داخل هذه المراكز، شملت التعذيب والاعتداءات الجنسية والاتجار بالبشر.
وتسلط القضية الهولندية الضوء على الترابط العميق بين شبكات التهريب في إفريقيا وتأثيرها المباشر على المجتمعات الأوروبية، ما يعيد طرح أسئلة ملحة حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المهاجرين وملاحقة المتورطين في الجرائم العابرة للحدود.











