نهاية مهمة أممية في اليمن.. مجلس الأمن يقرر التمديد الأخير لبعثة "أونمها"
نهاية مهمة أممية في اليمن.. مجلس الأمن يقرر التمديد الأخير لبعثة "أونمها"
اعتمد مجلس الأمن الدولي مساء الثلاثاء قرارا يقضي بالتمديد الأخير لولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق مدينة الحديدة في اليمن، المعروفة باسم “أونمها”، في خطوة تعكس تحولا مهما في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع أحد أكثر ملفات النزاع اليمني حساسية وتعقيدا، ويأتي القرار بعد سنوات من عمل البعثة في بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب، اتسمت بتعثر تنفيذ الاتفاقات وتبادل الاتهامات بين أطراف الصراع.
ووفق ما أورده الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، صوّت 13 عضوا في مجلس الأمن لصالح القرار، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت، دون استخدام حق النقض، وأكدت المنظمة الدولية أن القرار الجديد يحمل الرقم 2813، وينص على التمديد النهائي لولاية بعثة أونمها حتى 31 مارس المقبل، منهيا بذلك مرحلة استمرت منذ عام 2019 في مدينة الحديدة الساحلية.
تصويت يعكس تباينات دولية
جاء اعتماد القرار وسط تباينات في مواقف الدول الأعضاء، حيث اختارت موسكو وبكين الامتناع عن التصويت، في إشارة إلى تحفظات سياسية على مسار البعثة أو طريقة إنهاء ولايتها، ومع ذلك، حظي القرار بتأييد واسع داخل المجلس، ما مهد الطريق لبدء مرحلة جديدة تتضمن إنهاء عمل البعثة بشكل منظم وآمن.
وكان مجلس الأمن قد مدد في آخر مرة ولاية "أونمها" في 14 يوليو 2025، عندما قرر استمرارها حتى 28 يناير 2026. إلا أن القرار الجديد وضع تاريخا نهائيا لعمل البعثة، مؤكدا أن هذا التمديد هو الأخير.
مهام البعثة منذ إنشائها
أوضحت الأمم المتحدة أن بعثة أونمها، منذ إنشائها عام 2019، عملت على دعم تنفيذ اتفاق الحديدة المتعلق بالمدينة وموانئها، وهو الاتفاق الذي أبرم في 13 ديسمبر 2018 في العاصمة السويدية ستوكهولم بين الحكومة اليمنية وسلطات ميليشيا الحوثي.
وكان الهدف الأساسي من الاتفاق هو وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة، التي شهدت قبل ذلك مواجهات عنيفة كادت تتحول إلى معركة شاملة، وأدت إلى نزوح مئات الآلاف من السكان، وهددت بقطع شريان إنساني حيوي يعتمد عليه ملايين اليمنيين.
خطة انتقال وانسحاب منظم
بحسب الأمم المتحدة، فإن القرار الذي قدمت مشروعه المملكة المتحدة، يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إعداد خطة شاملة للبعثة، بالتشاور مع الأطراف اليمنية، وتشمل هذه الخطة بدء نقل مهام أونمها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، الذي يقوده هانس غوندبرغ، إلى جانب الانسحاب المنظم والآمن لأفراد البعثة وأصولها.
وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان عدم حدوث فراغ في المتابعة الدولية لملف الحديدة، مع دمج مهام البعثة ضمن الإطار الأوسع لجهود الوساطة السياسية التي يقودها المبعوث الأممي.
موقف المملكة المتحدة
أعرب المندوب الأممي للمملكة المتحدة أرتشي يونج عن تطلعه إلى انتقال منظم ومستدام لمسؤوليات البعثة ومهامها المتبقية إلى مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، ورحب بمواصلة التزام مجلس الأمن تجاه اتفاق الحديدة، مؤكدا دعم بلاده لجهود المبعوث الأممي في تيسير عملية السلام في اليمن تحت مظلة الأمم المتحدة.
وأشار يونج إلى أن إنهاء ولاية "أونمها" لا يعني التخلي عن اتفاق الحديدة، بل يمثل محاولة لإعادة ترتيب الأدوات الأممية بما يتناسب مع الواقع الميداني والسياسي الحالي.
اتفاق ستوكهولم بين الآمال والتعثر
تأسست بعثة "أونمها" بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2452، بعد فترة وجيزة من توقيع اتفاق ستوكهولم، الذي نص على وقف إطلاق النار في الحديدة وإعادة انتشار القوات، إضافة إلى إجراءات لبناء الثقة بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
كما تضمن الاتفاق صفقة لتبادل الأسرى بين الطرفين، وتفاهما لتهدئة القتال في مدينة تعز جنوب غربي اليمن وفتح الطرق المؤدية إليها، غير أن تنفيذ العديد من هذه البنود تعثر على مدار السنوات الماضية، وسط اتهامات متبادلة بين الحكومة وجماعة الحوثي بعرقلة التقدم وعدم الالتزام بالاتفاق.
الحديدة بين السياسة والإنسانية
تكتسب الحديدة أهمية استراتيجية وإنسانية بالغة، كونها تضم موانئ رئيسية يدخل عبرها الجزء الأكبر من الواردات الغذائية والإنسانية إلى اليمن. ولهذا، كان اتفاق ستوكهولم ينظر إليه بوصفه خطوة حاسمة لتجنيب المدينة معركة مدمرة، والحفاظ على تدفق المساعدات لملايين المدنيين.
ورغم نجاح الاتفاق في منع اندلاع مواجهة واسعة النطاق، فإن حالة الجمود السياسي والعسكري حدت من تحقيق تقدم ملموس نحو سلام دائم، ما جعل دور أونمها محصورا في مراقبة الوضع ودعم آليات التواصل أكثر من إحداث اختراقات جوهرية.
انسحاب أم إعادة تموضع؟
يرى مراقبون أن إنهاء ولاية بعثة أونمها يعكس توجها دوليا نحو إعادة تموضع الجهود الأممية في اليمن، بدلا من الانسحاب الكامل. فدمج مهام البعثة ضمن مكتب المبعوث الخاص قد يمنح العملية السياسية زخما أكبر، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على مستوى الرقابة والدعم ذاتهما في الحديدة.
ويحذّر خبراء من أن أي تراجع في الاهتمام الدولي بالمدينة قد يفتح الباب أمام توترات جديدة، ما لم يتم تعزيز الثقة بين الأطراف اليمنية وضمان استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار.
آفاق المرحلة المقبلة
مع اقتراب موعد انتهاء ولاية أونمها في 31 مارس، تتجه الأنظار إلى كيفية تنفيذ خطة الانسحاب ونقل المهام، ومدى تعاون الأطراف اليمنية مع الأمم المتحدة في هذه المرحلة الحساسة، ويؤكد دبلوماسيون أن نجاح هذه الخطوة يتوقف على التزام جميع الأطراف بالحفاظ على التهدئة، وتجنب تحويل الحديدة مجددا إلى ساحة صراع مفتوح.
وفي ظل استمرار الأزمة اليمنية وتعقيداتها الإقليمية، يبقى ملف الحديدة اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمع الدولي على إدارة النزاعات المزمنة، وتحقيق توازن بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات الإنسانية.
اندلعت الحرب في اليمن عام 2014، عندما سيطرت ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء، ما أدى إلى تدخل تحالف عربي تقوده السعودية في مارس 2015 دعما للحكومة المعترف بها دوليا، وأسفرت الحرب عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين اليمنيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية، وجاء اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018 كمحاولة لاحتواء التصعيد في الحديدة وبناء مسار سياسي أوسع، إلا أن تنفيذه واجه عراقيل كبيرة، ومع قرار مجلس الأمن إنهاء ولاية بعثة أونمها، تدخل الجهود الأممية في اليمن مرحلة جديدة، تأمل الأمم المتحدة أن تكون أكثر مرونة وفاعلية في دعم مسار السلام الشامل.










