عندما يصبح الموت عقاباً مضاعفاً.. كيف تحوّل حزن العائلات في إيران إلى ابتزاز رسمي؟
عندما يصبح الموت عقاباً مضاعفاً.. كيف تحوّل حزن العائلات في إيران إلى ابتزاز رسمي؟
عندما سقط حسين محمودي، البالغ من العمر 36 عاما، قتيلا برصاص قوات الأمن خلال الاحتجاجات في إيران، لم تكن وفاته نهاية القصة، بل بداية فصل طويل من المعاناة لعائلته، فالحزن الذي أصاب أسرته لم يتوقف عند فقدانه، بل تضاعف مع رحلة شاقة لاستعادة جثمانه وسط ضغوط وتهديدات وشروط قاسية فرضتها السلطات.
قُتل محمودي في الثامن من يناير الجاري في مدينة فلاورجان قرب أصفهان وسط البلاد، غير أن عائلته لم تتمكن من استلام جثمانه إلا في 16 يناير، بعد أكثر من أسبوع من الانتظار، وفقا لما وثقته منظمة حقوق الإنسان في إيران، التي تتخذ من النرويج مقرا لها، ونقلت تفاصيل القضية بعد تحقيقات ومقابلات مع مصادر مقربة من الأسرة، بحسب ما أوردته وكالة فرانس برس الأربعاء.
أيام من الانتظار والتهديد
بحسب المنظمة، رفضت السلطات في البداية تسليم الجثمان، قبل أن توافق لاحقا بشرط التزام العائلة الصمت وعدم الحديث علنا عن ملابسات مقتل ابنها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أُجبرت الأسرة أيضا على دفع مبلغ يعادل نحو 2870 دولارا مقابل استعادة الجثمان، في مشهد وصفه حقوقيون بأنه ابتزاز صريح لعائلات مكلومة.
وتشير شهادات حقوقية إلى أن ما واجهته عائلة محمودي ليس حالة استثنائية، بل جزءا من نمط متكرر تعيشه عشرات وربما مئات الأسر الإيرانية التي فقدت أبناءها خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة، وتظهر مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي ثلاجات مشارح مكتظة بالجثامين، في مشاهد صادمة تعكس حجم الخسائر البشرية.
سياسة الترهيب والابتزاز
يؤكد ناشطون أن السلطات الإيرانية، بعد الحملة الأمنية التي أسفرت عن سقوط آلاف القتلى خلال يناير، لجأت إلى أساليب تتجاوز القمع المباشر في الشوارع، لتشمل ترهيب العائلات وابتزازها وهي في أضعف حالاتها، ويقول هؤلاء إن الأهالي يواجهون مطالب بدفع مبالغ مالية كبيرة، إلى جانب إجبارهم على الإدلاء بتصريحات كاذبة تفيد بأن أبناءهم كانوا من عناصر قوات الأمن، مثل قوات الباسيج، أو أنهم قتلوا على أيدي محتجين.
كما تُفرض قيود صارمة على مراسم التشييع، حيث يُمنع في كثير من الحالات إقامة جنازات علنية أو لائقة، خوفا من تحولها إلى تجمعات احتجاجية جديدة تعيد إشعال الغضب الشعبي.
العفو الدولية توثق الانتهاكات
منظمة العفو الدولية وصفت ما يحدث بأنه حملة ممنهجة من الترهيب والإكراه، وقالت إن السلطات الإيرانية تواصل بلا هوادة مضايقة عائلات المحتجين الذين قُتلوا، مضيفة أن أهالي عدد من الضحايا أُبلغوا بأن جثامين أبنائهم لن تُسلم إلا بعد دفع مبالغ باهظة، أو توقيع تعهدات مكتوبة، أو الإدلاء بتصريحات علنية كاذبة تفيد بأن المتوفين كانوا عناصر في قوات الباسيج.
وأشارت المنظمة إلى أنها وثقت حالة واحدة على الأقل لم تتمكن فيها عائلة من استعادة جثمان قريب لها بعد أكثر من أسبوعين على وفاته، بسبب عدم قدرتها على دفع المبلغ المطلوب، ما ترك الجثمان محتجزا في المشرحة، وزاد من معاناة الأسرة النفسية والإنسانية.
موقف الأمم المتحدة
بدورها، قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، في تصريح أدلت به يوم الجمعة، إنها تلقت تقارير تفيد بأن السلطات تجبر عائلات الضحايا على الادعاء زورا بأن أقاربهم المتوفين كانوا من عناصر الباسيج وقُتلوا على أيدي محتجين، وأضافت أن بعض الأسر أُجبرت أيضا على دفع أموال مقابل استعادة الجثامين.
ووصفت ساتو هذه الممارسات بأنها قاسية ولا إنسانية، مؤكدة أنها تضيف الابتزاز إلى الفاجعة، وتحول الحزن الطبيعي على فقدان الأحبة إلى معاناة مركبة تلاحق العائلات حتى بعد الموت.
روايات رسمية وتشكيك حقوقي
تعترف السلطات الإيرانية بسقوط أكثر من 3000 قتيل خلال الاحتجاجات الأخيرة، لكنها تقول إن الغالبية كانوا من عناصر قوات الأمن أو مدنيين قتلوا على أيدي ما تصفه بمخربين، غير أن منظمات حقوقية تشكك في هذه الرواية، معتبرة أن العدد الحقيقي للضحايا أعلى بكثير، وربما يصل إلى عشرات الآلاف.
وتؤكد هذه المنظمات أن عددا كبيرا من المحتجين قُتلوا بنيران مباشرة أطلقتها قوات الأمن، وهو ما تدعمه شهادات شهود عيان ومقاطع مصورة جرى التحقق من صحتها.
قصص فردية تكشف حجم المأساة
سلّطت منظمة هينغاو الحقوقية الضوء على قضية علي طاهرخاني، البالغ من العمر 31 عاما، الذي قُتل في مدينة تاكستان شمال غرب طهران، وبحسب المنظمة، أصيب طاهرخاني بالرصاص ثم تعرض للضرب بالهراوات على أيدي قوات الأمن.
ولم تسلم السلطات جثمانه إلى عائلته إلا بعد إجبارها على دفع ما يعادل 18000 يورو، إلى جانب إزالة لافتات التعزية، وأُقيمت مراسم دفنه تحت إجراءات أمنية مشددة، مع السماح لأربعة أفراد فقط من العائلة بالحضور، وسط انتشار كثيف لعناصر أمن مسلحين، في مشهد يعكس حجم السيطرة والخوف المفروضين حتى في لحظات الوداع الأخيرة.
جثامين مجهولة وبحث مؤلم
تقول منظمات حقوقية إن عائلات كثيرة لم تتمكن من التعرف على جثامين أحبائها إلا بعد أيام طويلة من البحث بين أعداد كبيرة من الجثث داخل ثلاجات المشارح، ويُجبر معظم الأهالي، وفقا لهذه التقارير، إما على دفع المال، وإما توقيع اعترافات قسرية، أو التصريح كذبا بأن أبناءهم كانوا من عناصر الباسيج أو أنهم قتلوا على أيدي محتجين، مقابل استعادة الجثامين.
كما تحرص السلطات على منع تحول الجنازات إلى ساحات احتجاج. ففي 11 يناير، أظهرت لقطات متداولة من مقبرة بهشت زهرا في طهران مشيعين غاضبين يهتفون بشعارات ضد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، ما دفع السلطات إلى تشديد القيود على مراسم الدفن.
دفن ليلي وجماعي
أفادت منظمة العفو الدولية بأن السلطات ضغطت على بعض العائلات لإجراء الدفن في منتصف الليل، بحضور قوات الأمن، لتفادي تجمعات شعبية، كما تحدثت تقارير عن دفن جماعي في بعض الحالات، في محاولة لمنع إقامة جنازات فردية قد تتحول إلى مظاهر احتجاج علني.
تشهد إيران منذ أشهر موجات احتجاج واسعة على خلفيات سياسية واقتصادية واجتماعية، واجهتها السلطات بحملات أمنية مكثفة، وتتهم منظمات حقوق الإنسان قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك الرصاص الحي، لقمع المحتجين، ومع تزايد أعداد القتلى، برزت قضية احتجاز الجثامين وابتزاز العائلات كأحد أخطر أشكال الانتهاكات، حيث يتحول الموت إلى أداة ضغط إضافية، وتعتبر هذه الممارسات، وفقا لخبراء قانونيين، انتهاكا صارخا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يكفل كرامة الموتى وحقوق ذويهم، ويمنع استخدام الجثامين وسيلة للترهيب أو العقاب الجماعي.










