بين القصف والتهجير.. صمود مدني يرفض القمع والانتهاكات في أحياء حلب
بين القصف والتهجير.. صمود مدني يرفض القمع والانتهاكات في أحياء حلب
دخلت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية في مدينة حلب مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث، بعدما تحولت إلى ساحة اشتباكات دامية وهجمات وصفت بالوحشية، طالت المدنيين والبنى التحتية الحيوية، وسط صمود لافت من السكان الذين واجهوا القصف والحصار بروح مقاومة جماعية أعادت إلى الواجهة مأساة الكرد المستمرة في سوريا والمنطقة.
وبحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة الأحد، أدانت صحفيات وناشطات كرديات وإيزيديات الهجمات التي نفذتها هيئة تحرير الشام المدعومة من تركيا، معتبرات أن ما يجري في حلب يمثل امتدادا لسلسلة طويلة من الانتهاكات التي استهدفت الكرد والإيزيديين خلال العقد الماضي، وسط صمت دولي يفاقم حجم المأساة.
ذاكرة الإبادة تعود من جديد
الصحفية نوجين يزيدي من شنكال ربطت بين الهجمات الجارية في حلب والهجوم الذي تعرض له الإيزيديون في شنكال عام 2014، معتبرة أن المنفذين هم أنفسهم، وإن تغيرت المسميات، وأكدت أن قادة ما يعرف بالحكومة المؤقتة في سوريا هم في حقيقتهم مرتزقة مرتبطون بتنظيم داعش، مشيرة إلى أن الأساليب الوحشية والمجازر المرتكبة بحق المدنيين تشكل دليلا واضحا على هذا الامتداد الدموي.
وقالت إن ما يجري في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ليس حدثا معزولا، بل حلقة جديدة في مشروع يستهدف الكرد بشكل مباشر، موضحة أن هذه القوى لا تحمل أي نية لإحلال السلام في سوريا، بل تسعى إلى فرض واقع قائم على العنف والإرهاب.
مقاومة شعبية غير مسبوقة
ورغم شراسة الهجمات، لفتت يزيدي إلى أن المشهد الأبرز هو المقاومة الشعبية الواسعة، حيث شارك الأهالي من مختلف الأعمار في الدفاع عن أحيائهم، مؤكدة أن ما يجري يمثل شكلا غير مسبوق من الصمود الجماعي، وأضافت أن هذه المقاومة تعكس إرادة حياة في مواجهة محاولات الإبادة، ورسالة واضحة بأن المدنيين لن يكونوا ضحايا صامتين.
واتهمت الصحفية نوجين يزيدي الدولة التركية بالتحريض المباشر على هذه الهجمات وتهيئة الظروف لتنفيذها، مشيرة إلى تشابه واضح بين ما يحدث اليوم في حلب وما جرى في روج آفا وشنكال عام 2014، حين نفذت الهجمات تحت راية داعش، وعدّت الهدف لم يتغير، وهو القضاء على الوجود الكردي، سواء عبر القتل أو التهجير أو كسر الإرادة الجماعية.
وأضافت أن ما يزيد من خطورة الوضع هو تنفيذ هذه الهجمات أمام أنظار العالم، رغم المبادرات التي طُرحت في مسار السلام، بما في ذلك المقترحات التي قدمها القائد عبدالله أوجلان، معتبرة أن استمرار العنف يكشف ازدواجية الخطاب التركي تجاه السلام.
نداء تضامن إيزيدي
ووجهت نوجين يزيدي نداء إلى الإيزيديين في مختلف المناطق للانتفاض دفاعا عن أنفسهم والتضامن مع حلب، مؤكدة أن دعم الشيخ مقصود والأشرفية واجب إنساني وأخلاقي، وأن الوقوف إلى جانب المدنيين سيستمر مهما بلغت التضحيات.
من جهتها، أعربت الصحفية بريفان تشيا عن استنكارها الشديد للهجمات التي تشنها هيئة تحرير الشام، مؤكدة أن الجهة الحقيقية التي تقف خلف هذه العمليات هي الدولة التركية، وأشارت إلى أن المعارك الدائرة تمثل فصلا جديدا من فصول مقاومة أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، حيث يواجه المدنيون حربا قاسية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
وأوضحت أن القصف لم يستثن المستشفيات والمراكز الطبية، في خرق صارخ لكل القوانين الإنسانية وقوانين الحرب، مؤكدة أن الجرحى ما زالوا يتلقون العلاج في ظل ظروف بالغة الصعوبة، وأضافت أن استهداف المرافق الصحية يعكس طبيعة هذه الجماعات التي لا تعترف بأي معايير إنسانية.
وأكدت تشيا أن السكان لا يزالون متمسكين بأحيائهم، رغم لجوء القوات المهاجمة إلى مختلف أساليب الضغط، مشددة على أن مقاومة الكرد لن تنكسر، وأن ما يجري اليوم سيضاف إلى سجل طويل من النضال. وقالت إن الصحفيات الإيزيديات يقفن إلى جانب أهالي حلب ويدنّ بأشد العبارات هذه الهجمات.
انسحاب قسد ووقف إطلاق النار
وفي تطور ميداني لافت، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية يوم الأحد انسحاب مقاتليها من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، عقب تفاهم توصلت إليه مع أطراف أخرى لوقف إطلاق النار، وأوضحت في بيان أن الاتفاق يشمل إخراج الشهداء والجرحى والمدنيين العالقين، إضافة إلى المقاتلين، باتجاه مناطق شمال وشرق سوريا.
وأكدت وكالة سانا الرسمية خروج الحافلات التي تقل آخر دفعة من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من حي الشيخ مقصود نحو شمال شرق البلاد، في خطوة أنهت أي وجود عسكري لهم داخل الحيين.
وكانت الاشتباكات قد اندلعت يوم الثلاثاء في الحيين، وأسفرت عن مقتل 21 مدنيا على الأقل بحسب أرقام من الطرفين، إضافة إلى نزوح نحو 155000 شخص، وفق ما أعلنه محافظ حلب، وتبادلت الأطراف المتصارعة الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع العنف.
تأتي هذه التطورات في ظل تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، رغم توقيع اتفاق سابق ينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة السورية، وأشارت قسد إلى أن انسحابها جاء بوساطة أطراف دولية لوقف الانتهاكات بحق المدنيين، بعد ساعات من تنديدها بعمليات تهجير قسري وخطف.
كما جاء الإعلان بعد لقاء جمع المبعوث الأمريكي توم باراك مع الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع يوم السبت، دعا فيه جميع الأطراف إلى ضبط النفس ووقف الأعمال القتالية فورا.
وعلى الأرض، غادرت عائلات عالقة المنطقة بعد أيام من المعارك، في مشاهد إنسانية مؤثرة، حيث حمل رجال أطفالهم على ظهورهم، وبكت نساء وأطفال وسط الوداع والخوف، وأفاد مراسلون بأن عشرات الشبان الذين كانوا يرتدون ملابس مدنية تم فصلهم عن عائلاتهم وإجبارهم على الجلوس على الأرض، قبل نقلهم بحافلات إلى جهة مجهولة.
الصراع الكردي في سوريا
تسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أهم حقول النفط والغاز، ولعبت دورا محوريا في محاربة تنظيم داعش، حيث تمكنت من دحره من آخر معاقله عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، غير أن تركيا تنظر إلى المكون الرئيسي لهذه القوات باعتباره امتدادا لحزب العمال الكردستاني، الذي أعلن العام الماضي إنهاء العمل المسلح بعد 4 عقود من الصراع مع أنقرة، وفي ظل هذا التعقيد الإقليمي، يبقى المدنيون الكرد في حلب وغيرها عالقين بين صراعات القوى، يدفعون ثمن نزاعات تتجاوز قدرتهم على الاحتمال، فيما تستمر معاناتهم بحثا عن الأمان والاعتراف بحقهم في الحياة.











