من انتقادات ماسك إلى تعثر مفاوضات السجناء.. أزمة متعددة الوجوه بين واشنطن وكابول
من انتقادات ماسك إلى تعثر مفاوضات السجناء.. أزمة متعددة الوجوه بين واشنطن وكابول
أعاد الملياردير الأميركي إيلون ماسك فتح ملف حساس يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان، بعد أن علّق على منشور ينتقد ما وصفه بإقرار طالبان للعبودية بشكل رسمي، في خطوة أثارت نقاشا واسعا حول صمت المجتمع الدولي إزاء ممارسات الحركة منذ عودتها إلى السلطة، وجاء تفاعل ماسك في وقت تتزايد فيه الضغوط الحقوقية على طالبان، بالتوازي مع تعثر المفاوضات السرية بينها وبين الولايات المتحدة بشأن الإفراج عن سجناء أميركيين.
وبحسب ما نقلته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" الثلاثاء، أعاد إيلون ماسك نشر تعليق لأحد مستخدمي منصة إكس أشار فيه إلى أن نظام العبودية القديم عاد رسميا في أفغانستان، بما في ذلك استغلال الأطفال كعبيد جنسيين وخدم، متسائلا عن غياب ردود الفعل من التيارات السياسية والمنظمات الحقوقية العالمية، واكتفى ماسك بالرد على المنشور بعبارة مقتضبة اعتبر فيها التساؤل المطروح وجيها، ما أضفى زخما إضافيا على الجدل الدائر.
إشارات قانونية مثيرة للقلق
تعود جذور هذا الجدل إلى مدونة الإجراءات الجزائية لمحاكم طالبان التي نشرت حديثا، حيث استخدم مصطلح "غلام" في عدد من بنودها، وهو ما اعتبره مراقبون اعترافا صريحا بمفهوم العبودية ضمن الإطار القانوني الذي تفرضه الحركة، وتطرقت المادتان 4 و15 من المدونة إلى قضايا تتعلق بالعبودية والحقوق المرتبطة بها، الأمر الذي أثار صدمة واسعة لدى ناشطين حقوقيين، خاصة أن العبودية محظورة بشكل مطلق في القانون الدولي وفي جميع أشكالها.
أثار تفاعل ماسك تساؤلات جديدة حول أسباب الصمت الدولي حيال هذه الاتهامات، في وقت تتهم فيه منظمات حقوقية سلطات طالبان بتقويض ممنهج لحقوق الإنسان، لا سيما حقوق النساء والأطفال والأقليات، ويرى منتقدون أن غياب ردود فعل حازمة يشجع الحركة على المضي قدما في سياساتها دون خشية من المحاسبة الدولية.
مفاوضات سرية تصل إلى طريق مسدود
بالتوازي مع هذا الجدل الحقوقي، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن المفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بشأن الإفراج عن سجناء أمريكيين وصلت إلى طريق مسدود بعد أشهر من المحادثات، وأفادت الصحيفة نقلا عن مصادر مطلعة بأن الخلاف الرئيسي يتمحور حول مطالبة حركة طالبان بالإفراج عن محمود شاه حبيبي، المواطن الأمريكي من أصل أفغاني، إضافة إلى طلبها إطلاق سراح سجين أفغاني منتمٍ إلى تنظيم القاعدة.
ووفقا لثلاثة أشخاص مطلعين على سير المفاوضات، أجرى مسؤولون أمريكيون وممثلو طالبان محادثات غير معلنة خلال الأشهر الماضية، إلا أن تمسك الحركة بشروطها حال دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
طلب غير مسبوق من طالبان
ذكرت نيويورك تايمز أن طالبان تطالب بالإفراج عن شخص يدعى محمد رحيم، المحتجز في سجن غوانتانامو منذ عام 2008، والمتهم بالتعاون مع أسامة بن لادن ضمن شبكة القاعدة، وتشير تقارير سابقة إلى أن محمد رحيم كان يعمل رسولا ومترجما لزعيم القاعدة، ويحمل الجنسية الأفغانية، وتعد هذه المرة الأولى التي تعلن فيها طالبان هذا الطلب بشكل علني في سياق مفاوضات مع واشنطن.
احتجاز الرهائن
اتهمت الولايات المتحدة طالبان باتباع ما وصفته بدبلوماسية احتجاز الرهائن، مؤكدة أنها لن تنخرط في أي تعامل علني جديد مع الحركة ما لم يتم الإفراج عن جميع المواطنين الأمريكيين المحتجزين لديها.
وترى واشنطن أن ربط الإفراج عن مواطنيها بمطالب تتعلق بسجناء من القاعدة يشكل سابقة خطيرة ويقوض أي مسار تفاوضي جدي.
يبقى مصير محمود شاه حبيبي من أكثر القضايا غموضا في هذا الملف، فقد طالبت الولايات المتحدة مرارا طالبان بالكشف عن مكانه، إلا أن الحركة تنفي اعتقاله.
وأعلنت واشنطن عن مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار مقابل أي معلومات تؤدي إلى تحديد مكانه وإعادته سالما.
وقال مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي إن حبيبي اعتقل في أفغانستان عام 2022 بعد أيام من مقتل أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، في كابول، غير أن طالبان ترفض هذا الادعاء بشكل قاطع.
صرح ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم طالبان، لصحيفة نيويورك تايمز بأن الشخصين الوحيدين المحتجزين لدى الحركة هما دينيس والتر كويل وبولينسيس جاكسون، وأوضح أن كويل أستاذ جامعي اعتقل في يناير من العام الماضي، بينما لا تتوفر معلومات دقيقة حول تاريخ اعتقال جاكسون، وهو عسكري أمريكي سابق.
موقف واشنطن من صفقة التبادل
أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن الإفراج عن محمد رحيم لن يكون جزءا من أي اتفاق مستقبلي لتبادل السجناء مع حركة طالبان، ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن واشنطن تصر على إطلاق سراح جميع مواطنيها دون تقديم تنازلات تتعلق بسجناء متهمين بالإرهاب.
ويبلغ محمد رحيم نحو 60 عاما، ولم يحاكم رسميا في الولايات المتحدة، وتشير تقارير صادرة عن مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أنه تعرض خلال احتجازه في غوانتانامو لأساليب تحقيق قاسية، من بينها الحرمان المطول من النوم، ما يضيف بعدا حقوقيا معقدا إلى قضيته.
نفى وزير خارجية طالبان أمير خان متقي اتهامات واشنطن للحركة بممارسة سياسة احتجاز الرهائن، مؤكدا في الوقت ذاته سعي طالبان إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إعادة فتح السفارة الأمريكية في كابول، غير أن هذه التصريحات تقابل بتشكيك واسع في ظل استمرار الخلافات العميقة بين الطرفين.
تواصل محدود رغم عدم الاعتراف
لا تعترف الولايات المتحدة بطالبان حكومة شرعية لأفغانستان، إلا أن مبعوثين أمريكيين زاروا البلاد عدة مرات خلال العام الماضي في إطار مساعٍ للإفراج عن مواطنين أمريكيين، وبحسب البيت الأبيض، جرى الإفراج عن ما لا يقل عن 4 مواطنين أمريكيين خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، دون أن يكون ذلك في إطار صفقات تبادل رسمية.
وفي شهر أكتوبر الماضي، أفرجت طالبان عن مواطن أمريكي من أصل أفغاني عقب لقاء في كابول مع آدم بوهلر، المبعوث الخاص للرئيس ترامب لشؤون الرهائن، بوساطة قطرية، حيث نقل لاحقا إلى الدوحة، وكان هذا المواطن قد اعتقل في ديسمبر، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد الزيارة.
منذ عودتها إلى الحكم في أغسطس 2021، تواجه طالبان انتقادات دولية متزايدة بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بحقوق النساء والأقليات وحرية التعبير، وفي الوقت نفسه، تسعى الحركة إلى انتزاع اعتراف دولي تدريجي عبر قنوات تفاوض غير مباشرة، لا سيما مع الولايات المتحدة، غير أن قضايا مثل استخدام مصطلحات مرتبطة بالعبودية في التشريعات القضائية، وملفات السجناء الأمريكيين، تعمق عزلة طالبان وتضعف فرص تطبيع علاقاتها الخارجية، ويعكس تداخل هذه الملفات تعقيدا سياسيا وحقوقيا يجعل مستقبل العلاقة بين كابول والمجتمع الدولي محفوفا بالتوتر وعدم اليقين.











