تحت وطأة الفوضى الأمنية.. أعمال قتل متفرقة ترفع منسوب القلق الإنساني في سوريا

تحت وطأة الفوضى الأمنية.. أعمال قتل متفرقة ترفع منسوب القلق الإنساني في سوريا
قوات عسكرية في سوريا

شهدت سوريا خلال شهر يناير الجاري تصاعداً لافتاً في أعمال العنف، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الأمني واستمرار غياب المحاسبة، وسط ظروف إنسانية ومعيشية متدهورة يعيشها ملايين السوريين. هذا التصعيد الذي تزامن مع حالة من القلق الشعبي المتنامي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا في حوادث متفرقة، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة جديدة من عودة دوامة العنف والفوضى إلى مناطق واسعة من البلاد.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن الشهر الجاري شهد مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً، بينهم امرأة، نتيجة سلسلة من الحوادث الأمنية المتنوعة، وأوضح المرصد أن هذه الحوادث شملت إطلاق نار مباشراً، وعمليات تصفية جسدية، واعتداءات مسلحة، إضافة إلى حوادث دهس، فضلاً عن سقوط ضحايا متأثرين بإصابات ناجمة عن تفجيرات وقعت في فترات سابقة، بحسب ما أوردته، الخميس، وكالة أنباء المرأة.

توزع جغرافي يعكس اتساع العنف

وأشار المرصد إلى أن أعمال العنف توزعت على عدد من المحافظات والمناطق السورية، في مؤشر على اتساع رقعة الانفلات الأمني وعدم اقتصاره على منطقة بعينها، ففي محافظة اللاذقية سقط 4 قتلى بينهم طفل، في حوادث منفصلة أثارت حالة من الصدمة بين السكان المحليين، أما في ريف دمشق فقد قُتل رجلان في ظروف وصفت بالغامضة، وسط غياب معلومات رسمية حول ملابسات الحادثين.

وسجلت مدينة حمص الحصيلة الكبرى من الضحايا خلال شهر يناير حيث لقي 11 شخصاً مصرعهم، بينهم امرأة، نتيجة حوادث متعددة تراوحت بين إطلاق نار واعتداءات مباشرة، وفي محافظة حماة قُتل شخصان في حوادث أمنية متفرقة، في حين سُجلت في العاصمة دمشق حالة واحدة راح ضحيتها شخص، في واقعة تعكس استمرار التوتر حتى في المناطق التي يفترض أنها أكثر استقراراً.

أنماط قتل متعددة ودوافع غامضة

ويشير رصد هذه الحوادث إلى تنامي أنماط مختلفة من العنف في سوريا، بعضها ذو خلفيات جنائية، وأخرى مرتبطة بصراعات محلية أو تصفيات شخصية، في ظل بيئة أمنية مضطربة تسمح بانتشار السلاح وغياب الردع، ويؤكد مراقبون أن تعدد دوافع القتل وصعوبة تحديد المسؤوليات يعمقان من شعور السكان بانعدام الأمان، ويعززان الإحساس بأن الأرواح باتت عرضة للخطر في أي لحظة، مؤكدين أن غياب الشفافية في التحقيقات وندرة المعلومات الرسمية حول نتائج الملاحقات الأمنية يسهمان في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، ما يشجع على تكرار مثل هذه الجرائم.

مخاوف شعبية متزايدة

وأثار هذا التصاعد في أعمال العنف موجة قلق واسعة بين مختلف فئات الشعب السوري، خصوصاً في المناطق التي شهدت حوادث متكررة، ويعبر كثير من السكان عن خشيتهم تحوّل هذه الوقائع إلى نمط يومي، في ظل تراجع الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر، وهي عوامل يرى خبراء أنها تغذي بدورها العنف والجريمة.

ويؤكد سكان محليون أن الشعور بعدم الأمان بات ينعكس على تفاصيل حياتهم اليومية، من التنقل والعمل إلى إرسال الأطفال إلى المدارس، في وقت يفتقر فيه كثيرون إلى أي شعور بالحماية أو الثقة بقدرة الجهات المسيطرة على فرض الأمن.

هيئة تحرير الشام والواقع الأمني

وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن هذا التصاعد في أعمال العنف يسلط الضوء على خطورة الوضع الأمني في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، حيث تتزايد أنماط القتل على خلفيات متعددة، وأشار إلى أن استمرار هذه الحالة دون محاسبة فعلية يفاقم من مخاوف السكان، ويطرح تساؤلات حول قدرة الجهات المسيطرة على ضبط الأمن ومنع تكرار الجرائم.

ويرى محللون أن تعدد الجهات المسلحة، وتداخل النفوذ الأمني، وغياب سلطة قضائية مستقلة وفاعلة، كلها عوامل تجعل من الصعب احتواء العنف أو الحد من انتشاره، خصوصاً في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة.

الأثر الإنساني للعنف المستمر

ولا يقتصر تأثير هذا التصاعد الأمني على أعداد الضحايا فحسب، بل يمتد ليشمل تداعيات إنسانية ونفسية عميقة، فكل حادثة قتل تترك وراءها عائلات مفجوعة، وأطفالاً يفقدون ذويهم، ومجتمعاً يزداد شعوره بالعجز والخوف، ويؤكد اختصاصيون نفسيون أن تكرار مشاهد العنف يفاقم من معدلات القلق والاكتئاب، ولا سيما لدى الأطفال والنساء.

كما يؤدي استمرار العنف إلى تعطيل سبل العيش، وإضعاف النشاط الاقتصادي المحلي، ما يزيد من الأعباء المعيشية على سكان يعانون أصلاً من أوضاع اقتصادية قاسية.

غياب المساءلة عامل رئيسي

ويرى خبراء في الشأن السوري أن غياب المساءلة يشكل عاملاً مركزياً في استمرار دوامة العنف، فعدم محاسبة الجناة، سواء كانوا أفراداً أو جماعات مسلحة، يبعث برسالة مفادها أن ارتكاب الجرائم يمكن أن يمر دون عقاب، وهو ما يقوض أي محاولة جادة لإرساء الاستقرار.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك الاجتماعي، ويزيد من احتمالات اندلاع نزاعات محلية، خصوصاً في المناطق التي تعاني من احتقان اجتماعي واقتصادي.

دعوات للحد من الانفلات الأمني

وفي ظل هذه التطورات تتعالى أصوات حقوقية ومدنية تطالب بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الانفلات الأمني، وتعزيز آليات المحاسبة، وحماية المدنيين، ويشدد ناشطون على أن تحسين الوضع الأمني لا يمكن أن يتحقق دون معالجة الأسباب الجذرية للعنف، وفي مقدمتها الفقر والبطالة وغياب العدالة.

كما يدعو هؤلاء إلى تمكين مؤسسات مدنية وقضائية مستقلة، قادرة على التحقيق في الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، ما يسهم في استعادة قدر من الثقة بين السكان والجهات القائمة على إدارة شؤونهم.

تعاني سوريا منذ أكثر من 13 عاماً من تبعات نزاع دموي ألقى بظلاله على مختلف مناحي الحياة. ورغم تراجع حدة العمليات العسكرية الواسعة في بعض المناطق، لا يزال العنف بأشكاله المختلفة حاضراً، مدفوعاً بانتشار السلاح، وتعدد القوى المسيطرة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وتؤكد تقارير حقوقية أن غياب المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب يشكلان أحد أبرز التحديات أمام تحقيق استقرار حقيقي، وفي ظل أوضاع إنسانية صعبة يعيشها ملايين السوريين، يبقى تحسين الوضع الأمني شرطاً أساسياً لتخفيف معاناة السكان ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى موجات عنف أوسع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية