البطاقة الصحية في لبنان.. أمل جديد للفقراء أم باب مفتوح للفساد؟
البطاقة الصحية في لبنان.. أمل جديد للفقراء أم باب مفتوح للفساد؟
مع دخول لبنان مرحلة سياسية جديدة بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، يعود مشروع البطاقة الصحية إلى الواجهة، محمّلاً بآمال كبيرة من قِبل المواطنين الذين يفتقرون لأي تغطية صحية، ورغم أن المشروع لا يزال قيد الدرس، يرى البعض أنه قد يشكل إنجازًا مهمًا للعهد الجديد في حال إقراره، في حين يتخوف آخرون من أن يلقى مصير مشاريع سابقة، إما بسبب الفشل الإداري أو وقوعه في براثن الفساد.
مواقف متباينة في الشارع اللبناني
في محاولة لقياس توجهات المواطنين، أجرى موقع "جسور بوست" استطلاعًا للرأي أظهر أن 57% من اللبنانيين يمتلكون نوعًا من التغطية الصحية، بينما يفتقد 43% إليها بسبب غياب الوظيفة أو ارتفاع كلفتها، أما في ما يتعلق بتوقعات المواطنين حول الخدمات التي ستوفرها البطاقة، فقد رأى 65% أنها ستكون كافية، إلا أن 85% أبدوا تشاؤمهم بشأن استمراريتها، استنادًا إلى تجارب حكومية سابقة لم يُكتب لها النجاح، أما بخصوص قدرة المواطنين على تحمل تكلفة الاشتراك فقد أبدى 58% استعدادهم لدفع الرسم المحدد.
ويقول أحد المواطنين: "إذا تحقق هذا المشروع، فسيكون إنجازًا كبيرًا في القطاع الصحي اللبناني، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر، كثير من الناس يلجؤون إلى التبرعات أو الوساطات لإجراء عمليات جراحية أو تلقي علاج ضروري، وهذه البطاقة ستخفف الكثير من المعاناة"، في المقابل يعبر مواطن آخر عن تشككه قائلاً: "أفضل البقاء ضمن نظام التأمين الصحي الخاص، لأنني لا أثق بالدولة التي تهدر الأموال ولا تقدم خدمات جيدة في مستشفياتها".
مشروع جدي واستعدادات نهائية
رئيس لجنة الصحة النيابية، بلال عبدالله، يؤكد لـ"جسور بوست" جدية المشروع، موضحًا أنه يستهدف الفئات الأكثر تهميشًا، ويشمل خدمات صحية متكاملة ذات مستوى عالٍ، وأشار إلى أن القانون اجتاز مراحل متقدمة داخل اللجان النيابية، حيث عقدت اللجنة الفرعية أكثر من 20 اجتماعًا مع المختصين والجهات المعنية، بالتنسيق مع البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية، وأضاف: "المشروع في مراحله النهائية، واللجنة النيابية تعمل حاليًا على إطلاع الرؤساء الثلاثة (الجمهورية، والحكومة، والبرلمان) للحصول على توافق سياسي نهائي وموافقة وزارة الصحة".
تكلفة الاشتراك وإمكانية الاستفادة
أما عن تكلفة البطاقة، فيوضح عبدالله أن تحديد الرسوم تُرك للجنة المعنية بإدارة النظام، لكنه يؤكد أنها لن تكون مرتفعة، بل ستكون على شكل رسم سنوي لا يتجاوز 50 دولارًا، ما يسمح للمواطنين بالحصول على تغطية صحية موسعة، كما سيتم تنظيم عملية التسجيل لضمان وصول الخدمة لمستحقيها ومنع أي فوضى في المراكز الصحية.
بحسب التقديرات، يستفيد نحو مليوني لبناني من التغطية الصحية عبر القطاع الحكومي، فيما يعيش 2.5 مليون مواطن دون أي شكل من أشكال التأمين الصحي، ويأتي ذلك في ظل ارتفاع معدل البطالة إلى نحو 35%، ما يزيد من الحاجة إلى حلول مستدامة لضمان وصول الرعاية الصحية إلى الجميع.
في إطار النقاش حول سبل تمويل مشروع البطاقة الصحية، كشف النائب في البرلمان اللبناني، سجيع عطية، أن دراسة مقارنة شملت 81 دولة أظهرت أن توفير مليار دولار سنويًا يكفي لتغطية الفئات غير المشمولة بأي نظام صحي، وأوضح أن جزءًا من هذه التكلفة سيؤمَّن عبر فرض ضرائب إضافية في لبنان على بعض السلع، لا سيما الكماليات.
القطاع الخاص بين العرقلة والتأقلم
من جهتها، ترى رئيسة جمعية "Medonations"، مارينا الخوند، أن الشركات الخاصة، وخصوصًا تلك العاملة في مجال التأمين، قد تبدي مقاومة لهذا المشروع خوفًا من فقدان عملائها، لكنها تؤكد أن التجارب الدولية تثبت فاعلية نموذج تمويل قطاع الصحة عبر الضرائب، مستشهدةً بتجارب فرنسا وتايلاند والبرازيل، حيث فُرضت ضرائب على المنتجات الضارة مثل التبغ والكحول، ما أسهم في توفير موارد إضافية للرعاية الصحية والحد من استهلاك هذه المنتجات.
وتضيف الخوند، لـ"جسور بوست"، أن فرض ضرائب على السلع الفاخرة يشكل مصدرًا مهمًا للدخل الحكومي دون أن يثقل كاهل المواطنين العاديين، وتوضح: "هذه الاستراتيجية لا تؤمن تمويلًا مستدامًا فحسب، بل تعزز أيضًا أنماط استهلاك أكثر عدالة وصحة، ومع رقابة تنظيمية صارمة، ستتجاوز الفوائد الصحية والاقتصادية طويلة الأجل أي مخاوف محتملة".
يُذكر أن كلفة التغطية الصحية المحدودة التي تقدمها شركات التأمين الخاصة لا تقل عن 30 دولارًا شهريًا للفرد، في حين لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 200 دولار، بينما يعاني 44% من اللبنانيين بسبب الفقر.
هواجس الفساد والإصلاح المالي
في المقابل، يطرح الصحفي الاقتصادي عماد شدياق تساؤلات حول مدى انسجام فكرة تمويل البطاقة الصحية عبر الضرائب مع مبادئ المالية العامة في لبنان، ويوضح لـ"جسور بوست" أن النظام المالي اللبناني يقوم على مبدأ "وحدة الموازنة"، ما يعني أن أي ضريبة جديدة لا ينبغي أن تكون مخصصة لنفقة بعينها، بل يجب أن تندرج ضمن إطار إصلاح مالي أوسع.
ويرى شدياق أن إقرار البطاقة الصحية يجب أن يترافق مع إصلاح شامل لنظام الضمان الاجتماعي، بحيث يتم دمج الصناديق المختلفة لتأمين تغطية موحدة للعاملين والعاطلين عن العمل على حد سواء، كما يحذر من مخاطر الفساد، قائلاً: "اعتدنا أن أي مشروع مرتبط بالدولة يتحول إلى بيئة للفساد، لذلك فإن نجاح البطاقة الصحية يعتمد على شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، بحيث تتولى الدولة فرض الضرائب، بينما تتولى الشركات الخاصة إدارة البطاقة بإشراف حكومي لضمان الشفافية والكفاءة".
البطاقة الصحية وحدها لا تكفي
مع استمرار النقاش حول مشروع البطاقة الصحية في لبنان، يرى خبراء أن توفير التغطية الصحية لا يقتصر فقط على إصدار البطاقة، بل يتطلب إصلاحًا شاملاً للقطاع الصحي.
في هذا السياق، يؤكد الدكتور هادي مراد، عضو جمعية "القمصان السود" المعنية بحقوق الأطباء والمرضى لـ"جسور بوست"، أن نجاح المشروع مرهون بتعاون حقيقي بين القطاعين العام والخاص، خاصةً أن المستشفيات الحكومية تعاني من نقص حاد في الكوادر والتجهيزات الطبية.
ويحذر مراد من مخاطر المحسوبية والزبائنية في تنفيذ المشروع، مشيرًا إلى أن هذا المقترح سبق أن قُدم من قبل وزير الصحة السابق غسان حاصباني، لكنه لم يُنفذ بسبب تداخله مع المصالح السياسية، كما يشدد على ضرورة وجود نظام ضمان صحي شامل، خصوصًا في ظل غياب توضيحات من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حول إمكانية استعادة مستوى التغطية الذي كان متاحًا قبل الأزمة الاقتصادية في 2019.
يترافق مشروع البطاقة الصحية مع تحديات كبرى، أبرزها الفساد الإداري والمالي الذي يعاني منه لبنان، حيث احتل عام 2024 المرتبة الـ154 من أصل 180 دولة على مؤشر الفساد العالمي، وهذه المرتبة المتدنية تعزز المخاوف من أن تتحول البطاقة الصحية إلى أداة للاستغلال بدلًا من أن تكون وسيلةً لضمان العدالة الصحية.
دعم دولي وإصلاحات مرتقبة
على الرغم من هذه المخاوف، تحظى خطوات الدولة اللبنانية بدعم دولي، فقد أشاد ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان، الدكتور عبد الناصر أبو بكر، بجهود وزارة الصحة في مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص إصلاحية، وذلك ضمن الاستراتيجية الوطنية للقطاع الصحي (رؤية 2030)، التي تهدف إلى تعزيز فرص الحصول على الرعاية الصحية وتحسين استدامة النظام الصحي.
يُذكر أن لبنان احتل المرتبة الـ50 عالميًا بين 110 دول على مؤشر الأنظمة الصحية لعام 2024، وفق مجلة CEO World، رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع.
ويمتلك لبنان أكثر من 160 مستشفى، و13 ألف طبيب، و10 آلاف ممرض، لكن القطاع الصحي لا يزال بحاجة إلى إصلاحات بنيوية لضمان استمرارية وجودة الخدمات الطبية.
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال: هل ستتمكن الدولة اللبنانية من تحقيق إصلاح صحي شامل، أم ستكون البطاقة الصحية مجرد خطوة ناقصة في طريق طويل من التحديات، وهل ينجح المشروع في تغيير واقع الخدمات الصحية في لبنان أم سيكون مجرد محاولة جديدة تنتهي إلى مصير مجهول؟.. الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.