أستراليا تستعيد طفولة أبنائها.. حظر التواصل الاجتماعي يحجب 4.7 مليون حساب لطفل
أستراليا تستعيد طفولة أبنائها.. حظر التواصل الاجتماعي يحجب 4.7 مليون حساب لطفل
دخلت أستراليا مرحلة جديدة في علاقتها مع العالم الرقمي، بعد أن أعلنت السلطات أن شركات التواصل الاجتماعي ألغت الوصول إلى نحو 4.7 مليون حساب جرى تحديدها على أنها تعود لأطفال دون سن 16 عاماً، ويأتي هذا التطور بعد عام على دخول قانون تاريخي حيز التنفيذ يحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي على القاصرين، في محاولة لحماية صحتهم النفسية وإبعادهم عن البيئات الرقمية التي وُصفت بأنها ضارة وخطيرة على نموهم الإنساني والاجتماعي.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس الجمعة عن وزيرة الاتصالات الأسترالية أنيكا ويلز قولها إن الحكومة واجهت تشكيكاً واسعاً عند طرح القانون، ومنه اعتراضات من بعض أقوى وأغنى شركات التكنولوجيا في العالم، وأضافت أن هذا القرار يمنح الأسر الأسترالية شعوراً بالاطمئنان، مؤكدة أن الأطفال سيحصلون على فرصة لاستعادة طفولتهم بعيداً عن الضغوط الرقمية المبكرة.
أرقام تكشف حجم الظاهرة
الأرقام التي أعلنتها الحكومة جاءت استناداً إلى تقارير قدمتها 10 منصات رئيسية للتواصل الاجتماعي، في أول كشف رسمي لحجم تطبيق الحظر منذ بدء تنفيذه في ديسمبر 2025. وتوضح هذه البيانات مدى الانتشار الواسع لاستخدام الأطفال لهذه المنصات قبل صدور القانون، كما تكشف حجم التحدي الذي واجهته السلطات في ضبط الفضاء الرقمي وحماية الفئات العمرية الصغيرة.
ويرى مسؤولون حكوميون أن الرقم لا يعكس فقط التزام الشركات بالقانون الجديد، بل أيضاً حجم القلق المتراكم لدى المجتمع الأسترالي بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال والمراهقين، خصوصاً في ظل تزايد الدراسات التي تربط بين الاستخدام المكثف لهذه المنصات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتنمر الإلكتروني بين صغار السن.
مواجهة مع شركات التكنولوجيا
لم يكن تمرير القانون أو تطبيقه أمراً سهلاً، إذ واجهت الحكومة الأسترالية ضغوطاً مكثفة من شركات التكنولوجيا الكبرى التي اعتبرت الحظر صعب التنفيذ تقنياً، ومثيراً لمخاوف تتعلق بالخصوصية وحرية الاستخدام، غير أن الحكومة مضت قدماً، معتبرة أن حماية الأطفال تتقدم على أي اعتبارات تجارية أو تقنية.
وقالت وزيرة الاتصالات إن أستراليا أثبتت أن ما كان يوصف بالمستحيل يمكن تحقيقه، مشيرة إلى أن التعاون مع المنصات وإلزامها بتطوير أدوات تحقق فعالة من العمر كان جزءاً أساسياً من نجاح التجربة. وأضافت أن الرسالة باتت واضحة مفادها أن سلامة الأطفال ليست مجالاً للمساومة.
نقاش مجتمعي واسع
أثار القانون منذ طرحه نقاشاً حاداً في أستراليا، شمل قضايا استخدام التكنولوجيا والخصوصية وسلامة الأطفال والصحة العقلية، وبينما رحب كثير من الآباء والمعلمين بالخطوة، أعرب آخرون عن مخاوف من أن يؤدي الحظر إلى عزل الأطفال رقمياً أو دفعهم إلى التحايل على القواعد.
في المقابل أكد خبراء في الصحة النفسية أن تقليص تعرض الأطفال المبكر لمنصات التواصل يمكن أن يخفف من الضغوط النفسية والمقارنات الاجتماعية القاسية التي تفرضها هذه البيئات الرقمية. وأشاروا إلى أن الطفولة تحتاج إلى مساحات آمنة للتفاعل الإنساني المباشر، بعيداً عن الإيقاع السريع والتجاري للعالم الافتراضي.
تأثيرات في الصحة النفسية
تشير دراسات متعددة أجريت خلال الأعوام الأخيرة إلى ارتباط وثيق بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي وبين اضطرابات النوم وضعف التركيز وارتفاع مستويات القلق لدى الأطفال والمراهقين، كما حذرت تقارير رسمية من أن المحتوى غير المناسب وخطاب الكراهية والتنمر الإلكتروني باتت عناصر يومية في تجربة كثير من المستخدمين الصغار.
وتقول الحكومة الأسترالية إن الحظر لا يهدف إلى قطع الأطفال عن التكنولوجيا بشكل كامل، بل إلى تنظيم استخدامها وتأجيل الانخراط في المنصات الاجتماعية إلى مرحلة عمرية أكثر نضجاً، يكون فيها الشبان قادرين على التعامل مع المحتوى والضغوط المصاحبة له بوعي أكبر.
انعكاسات دولية
لم يقتصر تأثير القرار الأسترالي على الداخل، بل أثار اهتماماً دولياً واسعاً، إذ بدأت دول أخرى تتابع التجربة عن كثب وتدرس إمكانية تبني إجراءات مشابهة، وتواجه حكومات عديدة تحديات متشابهة في ضبط استخدام الأطفال للتكنولوجيا، وسط تنامي القلق من تأثيراتها طويلة الأمد في الأجيال الصاعدة.
ويرى مراقبون أن أستراليا قد تكون فتحت الباب أمام تحول عالمي في طريقة تعامل الدول مع منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيما يتعلق بمسؤولية هذه الشركات عن حماية المستخدمين القاصرين، وقد يشكل نجاح التجربة الأسترالية نموذجاً يحتذى به في دول تسعى إلى تحقيق توازن بين حرية الإنترنت وسلامة الأطفال.
ردود فعل الأسر والمعلمين
وفي أوساط الأسر، عبّر كثير من الآباء عن ارتياحهم للقرار، معتبرين أنه خفف من معركة يومية كانوا يخوضونها مع أبنائهم حول استخدام الهواتف الذكية والتطبيقات. وقال معلمون إنهم لاحظوا تحسناً في تركيز بعض الطلاب وتفاعلهم داخل الصفوف بعد تقليص استخدام وسائل التواصل.
في المقابل أشار بعض المراهقين إلى شعورهم بالحرمان من مساحات تواصل يعدونها جزءاً من حياتهم الاجتماعية، ما دفع الحكومة إلى تأكيد أهمية توفير بدائل صحية وآمنة للتواصل والترفيه، سواء عبر الأنشطة المدرسية أو المجتمعية.
جاء قرار أستراليا بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً في سياق عالمي يشهد تصاعداً في القلق من التأثيرات النفسية والاجتماعية للتكنولوجيا في الأطفال. وخلال العقد الأخير، توسعت شركات التكنولوجيا بشكل هائل، مستهدفة فئات عمرية متزايدة الصغر، في وقت لم تواكب فيه التشريعات هذا التوسع بالسرعة الكافية، وفي أستراليا، تزايدت التحذيرات الرسمية والطبية من ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتنمر الإلكتروني بين الأطفال، ما دفع الحكومة إلى تبني نهج تشريعي صارم، وبعد عام على تطبيق القانون، تكشف الأرقام عن حجم الظاهرة وتأثير القرار، وسط ترقب داخلي ودولي لنتائجه بعيدة المدى على الطفولة والمجتمع الرقمي.











